حين تُبصر الأنامل..الكتابة كفعل مقاومة للظلام

الوكالة

2026-04-14

بـــدر قــلاج

في لحظة ثقافية مشحونة بالدلالات الإنسانية، وتحت شعار “حين تتكلم الأنامل ينتفي الظلام”، احتضنت مؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة بمراكش حفل توقيع وتقديم كتاب “أنامل مبصرة” للكاتبة سعاد ثقيف، في مبادرة تجسد إيمانًا عميقًا بأن الثقافة ليست امتيازًا، بل حقًا أصيلاً ومشتركًا بين جميع فئات المجتمع.

هذا اللقاء، الذي نظمته جمعية الاتحاد النسوي للكوتشينغ بشراكة مع جمعية منارة الثقافة والتنمية المجتمعية، لم يكن مجرد محطة لتوقيع إصدار أدبي جديد، بل شكل فضاءً مفتوحًا للتفكير الجماعي في رهانات الإدماج الثقافي والاجتماعي للأشخاص في وضعية إعاقة، باعتباره مشروعًا وطنيًا يتجاوز البعد التضامني إلى أفق الحقوق والكرامة الإنسانية.

وقد عرف الحفل حضور نخبة من الفاعلين في الحقل الثقافي والفني، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني وإعلاميين ومهتمين بقضايا الإبداع، حيث تحولت لحظة التوقيع إلى حوار حي حول دور الأدب في تفكيك الصور النمطية، وإعادة صياغة تمثلات الإعاقة داخل المخيال المجتمعي، من زاوية القدرة والإبداع بدل النقص والعجز.

ويحمل كتاب “أنامل مبصرة” في طياته دلالات رمزية عميقة، إذ يستحضر فعل الكتابة كامتداد للحواس، وكقوة داخلية تتجاوز حدود الجسد، لتؤكد أن الإبداع لا يُقاس بالبصر، بل بالبصيرة. بهذا المعنى، يغدو النص الأدبي مساحة للانعتاق، ومنصة لإسماع صوت طالما تم تهميشه أو اختزاله في قوالب جاهزة.

إن مثل هذه المبادرات الثقافية تعيد طرح سؤال العدالة الثقافية في المجتمع المغربي، وتؤكد أن إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة لا يقتصر على الولوجيات المادية، بل يشمل أيضًا الحق في التعبير والإنتاج والمشاركة الفعلية في المشهد الثقافي. فحين تتكلم الأنامل، كما جاء في الشعار، لا يختفي الظلام فقط، بل تنبثق إمكانيات جديدة لرؤية العالم بعيون أكثر إنصافًا واتساعًا.

وفي مراكش، المدينة التي لطالما كانت ملتقى للفنون والثقافات، يكتسب هذا الحدث رمزية خاصة، إذ يعكس دينامية ثقافية متجددة تسعى إلى بناء مشهد أكثر شمولية، يفسح المجال لكل الطاقات، ويحتفي بالاختلاف باعتباره مصدر غنى لا عائقًا. هكذا، يتحول فعل التوقيع إلى إعلان رمزي عن ولادة وعي جديد، قوامه أن الثقافة، في جوهرها، فعل تحرر جماعي لا يكتمل إلا بالجميع.