









فسحة رمضانية العدل فوق هيبة السلطان
الوكالة
2026-03-14

محمد نشوان
يشكل العدل أحد أعمدة الحضارة الإسلامية، وقد جسّدته عبر التاريخ شخصيات قضائية عُرفت بالنزاهة والاستقلالية في إصدار الأحكام. ومن أبرز هذه الشخصيات القاضي الشهير شريح القاضي، الذي ارتبط اسمه بقصص عديدة تبرز قوة العدل وسمو القانون في دولة الإسلام، حتى عندما يكون الخصم أحد كبار الحكام.
تُروى من أشهر مواقفه قصة وقعت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين اشترى فرسًا من أعرابي وركبه ليختبره، لكن الفرس أصابه عرج بعد ذلك. حاول عمر أن يعيد الفرس إلى صاحبه، غير أن الأعرابي رفض استلامه، فتوجها معًا إلى القضاء.
عندما استمع القاضي شريح إلى تفاصيل القضية، أصدر حكمه الشهير قائلاً لأمير المؤمنين:
“خذ ما ابتعت أو ردّ كما أخذت.”
أعجب عمر بن الخطاب بحزم القاضي وعدله، ورأى فيه شخصية لا تخضع لهيبة السلطة، فاختاره لاحقًا قاضيًا على الكوفة.
ومن الوقائع التي تؤكد استقلال القضاء في الإسلام حادثة اختصام علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع رجل نصراني حول درع. جلس الطرفان أمام القاضي شريح على قدم المساواة دون أي تمييز.
قال علي إن الدرع له ولم يبعها أو يهبها لأحد، فسأل القاضي النصراني فأجاب بأن الدرع ملكه، مع إقراره بأن أمير المؤمنين لا يكذب.
عندها طلب القاضي من علي البينة، فلما لم تكن لديه، حكم بالدرع لصالح النصراني.
كان لهذا الحكم أثر بالغ؛ إذ اندهش الرجل من عدالة القضاء الإسلامي، وقال متأثرًا:
إن أمير المؤمنين يقف خصمًا مثلي، وقاضيه يحكم عليه!
ثم أعلن إسلامه قائلاً: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأعاد الدرع إلى علي.
لم يكن شريح القاضي مجرد قاضٍ يصدر الأحكام، بل كان أيضًا صاحب حكمة وبصيرة في فهم النفوس. فقد روى عامر الشعبي أنه شهد امرأة تبكي عند شريح في خصومة، فظن أنها مظلومة، فقال له القاضي:
“إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون وهم له ظالمون.”
في إشارة إلى أن البكاء أو العاطفة لا يكفيان لإثبات الحق.
كما كان يتحلى بروح إيمانية عميقة، إذ كان يقول:
“إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.”
لقد أسهمت هذه المواقف في ترسيخ قيم العدالة والإنصاف في المجتمع الإسلامي، لتبقى شاهدًا تاريخيًا على أن إقامة العدل كانت أساسًا في بناء الحضارة الإسلامية، ورسالةً متجددةً لكل من يتطلع إلى مجتمع تسوده المساواة وسيادة القانون.



