









حين خرج العفريت من كتاب بوكماخ
الوكالة
2026-03-14

عبد الرحيم الراوي
لا شك أن المغاربة ما زالوا يذكرون أن أحد الوزراء جيء به إلى البرلمان، وحين رد على سؤال شفوي، عَلِقَ في تكرار مرتبك: “أو… أو… أو…”، كما تـعلِقُ إبرة الفونوغراف في أسطوانة مشروخة.
ذلك المشهد أعاد إلى ذاكرتي نصا مشهورا ورد في سلسلة القراءة لأحمد بوكماخ، يحمل عنوانا غريبا: “أحمد والعفريت”. وبعد نحو خمسين سنة، استعدت تلك القطعة التي كان جيل الستينيات والسبعينيات يحفظها عن ظهر قلب. جاء فيها:
العفريت: أو… أو… أو…
أحمد: ماذا هذا؟ هذا ماذا؟
العفريت: أنا عفريت… أنا نفريت… ماذا تريد يا أحمد؟
ربما كان علينا أن ننتظر خمسين سنة، كي ندرك من هو العفريت ومن هو أحمد الذي يقصده المؤلف الراحل أحمد بوكماخ.
فهذا “العفريت” لم يكن سوى وزير الصناعة والتجارة الذي ظهر مؤخرا في برنامج “نقطة إلى السطر” الذي تعده وتنشطه الصحفية صباح بن داود، رفقة الإعلامي بالقناة الأولى عبد الله لشكر.
كلام السيد الوزير كان محبطا لكثير من متتبعي البرنامج، خاصة في ما يتعلق بغلاء المعيشة، إذ اكتفى بعبارات عامة تعكس ضعف الحكومة في تدبير الشأن العام، وعجزها عن مواجهة التحديات في ظل أزمات دولية ألقت بظلالها على الاقتصاد الوطني، وكان من آثارها ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية.
كما اعتمد الوزير لغة الاستسلام أمام الوسطاء والمضاربين الذين نهشوا قفة المواطن البسيط بدم بارد، رغم الترسانة القانونية والإجراءات الحكومية المتخذة.
ما قد لا يدركه وزير التجارة والصناعة هو أن المغرب لم يعد في حاجة إلى لغة العفاريت بقدر ما هو في أمس الحاجة إلى حكومة مبدعة، متماسكة وقوية، لا تختبئ خلف الظروف المناخية أو أزمات الحرب في العالم لتبرير عجزها وفشلها. حكومة تضرب بيد من حديد على كل من أطلق العنان لجشعه للاغتناء على حساب المواطن المقهور، وقادرة في المقابل على إيجاد حلول فعالة على المدى القريب والبعيد، حكومة تظهر قدرتها في تبديد الأزمات أو على الأقل التخفيف من حدتها وتداعياتها على جيوب فئة واسعة من المواطنين الذين ضاقوا ذرعا بغلاء أسعار المواد الأساسية كانت، إلى عهد قريب، في متناول الطبقات الفقيرة.
خلال هذا اللقاء تفنن الوزير رياض مزور في أمر واحد: التملص من أسئلة الصحفيين التي كانت تنهال عليه كالصواريخ، غير أنه كان يجد دائما سبيلا للإفلات منها. فالعفريت، في المخيال الشعبي، مخلوق قادر على التحول والتلون، ولذلك يصعب الإمساك به.
خلال هذا اللقاء صدرت عن الوزير تصريحات صادمة، كشفت عن اختلالات في تعاطي الحكومة مع ملف غلاء الأسعار، مما طرح تساؤلات حول دورها في ممارسة السلطة وفرض هيبتها على المضاربين الذين يعبثون بالقوت اليومي للمواطنين. واكتفى الوزير بكلام فضفاض من قبيل: “كنشتاغلو”، “كنراقبو”، “كنتبعو”، “كنديرو المقارنات” “كندخلو التقديرات فالجدول ديالنا” أو… أو…أو… “أما الفراقشية كنعرفوهم، وما عطيناش الأسماء ديالهم” في إشارة لعدم التشهير بهذه الفئة المستفيدة من الدعم.
طوال الحوار ظل الوزير يردد “أو… أو…” دون جواب يطمئن المغاربة بشأن غلاء المعيشة. وهكذا عاد درس “أحمد والعفريت” إلى الواجهة، لكن هذه المرة خارج كتاب القراءة: أحمد يسأل، والعفريت يراوغ… والمواطن هو من يدفع ثمن الحكاية.
للتذكير، فقد تصدر اسم وزير التجارة والصناعة رياض مزور “الترند” في الأسابيع الأخيرة بسبب خرجاته المتهورة وغير المحسوبة، كان آخرها استفزاز الجالية المغربية بكلمة “بزعط” متجاهلا الاهتمام الملكي البالغ لهذه الفئة من أبناء الجالية التي تعود سنويا إلى أرض الوطن، تعبيرا عن تمسكها بجذورها وحبها لوطنها وملكها.
استفزاز الوزير أشعل سيلا من التعليقات الغاضبة في الجرائد الوطنية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، ودفعه في نهاية المطاف إلى تقديم اعتذار رسمي للجالية المغربية بالمهجر من خلال قناة بي بي سي.




