“كنحس بالبرد في عظامي” هل هذا صحيح؟

الوكالة

2026-02-19

مع موجة البرد القارس التي تعرفها المملكة هذه الأيام، تتردد على الألسن عبارة شعبية مألوفة: “كنحس بالبرد في عظامي”. عبارة تبدو للوهلة الأولى مجازية، لكنها في العمق تختزل تفاعلات بيولوجية معقدة يعيشها الجسم مع انخفاض درجات الحرارة.

علميا، صُمم جسم الإنسان ليعمل بكفاءة عند درجة حرارة تقارب 37 درجة مئوية. غير أن هذه الحرارة ليست متجانسة في جميع الأعضاء؛ فالأطراف، كاليدين والقدمين، قد تكون أبرد بما يصل إلى ست درجات. كما أن الإحساس بالبرد يتأثر بعوامل متعددة، من بينها السن والجنس والحالة الصحية، إذ يشعر كبار السن بالبرد أكثر من الشباب، وتُظهر النساء حساسية أعلى تجاه انخفاض الحرارة مقارنة بالرجال.
غير أن المفاجأة تكمن في أن العظام ذاتها لا “تشعر” بالبرد بالطريقة التي نشعر بها على مستوى الجلد، لأنها تفتقر إلى المستقبلات الحرارية المنتشرة في الطبقات السطحية. فالعظم يوجد عميقا تحت العضلات والأنسجة والجلد، ما يجعله في معزل نسبي عن التغيرات المباشرة في الطقس.
فمن أين يأتي إذن ذلك الإحساس العميق بالبرودة؟
تشير دراسات في علم التشريح إلى أن العظام لا تتأثر بالبرد بشكل مباشر، بل عبر الأنسجة المحيطة بها. فالغلاف الخارجي للعظم، المعروف بالسمحاق، يحتوي على شبكة دقيقة من الأعصاب قادرة على رصد التغيرات الحرارية، خاصة البرودة. وعندما تتنشط هذه الأعصاب، ترسل إشارات تشبه إشارات الألم، يترجمها الدماغ أحيانا على أنها “برد في العظام”.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن التعرض المطول لدرجات حرارة منخفضة قد يؤثر على صحة العظام بطرق غير مباشرة، عبر تغيرات في الدورة الدموية أو من خلال نقص فيتامين D خلال فصل الشتاء، وهو عنصر أساسي في الحفاظ على الكثافة المعدنية للعظام وقوتها.
في المقابل، تبقى الأنسجة المحيطة بالعظام الأكثر تأثرا بالطقس البارد. فالسائل الزلالي الذي يسهل حركة المفاصل يصبح أكثر كثافة مع انخفاض الحرارة، ما يجعل الحركة أقل سلاسة وأكثر إزعاجا، خاصة لدى المصابين بالتهاب المفاصل. كما تميل الأوتار والأربطة إلى التيبس، فتضطر العضلات إلى بذل جهد أكبر لتحريك المفاصل، ويضيق نطاق الحركة تدريجيا.
ويعمد الجسم، حفاظا على الأعضاء الحيوية، إلى تقليص تدفق الدم نحو الأطراف عند التعرض للبرد، وهي آلية دفاعية طبيعية. غير أن هذا الانخفاض في التروية الدموية يؤدي إلى انكماش الأنسجة وزيادة الإحساس بالتيبس والبرودة العميقة.
ويبرز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في قلة التعرض لأشعة الشمس خلال الشتاء، خاصة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. فتراجع ساعات السطوع الشمسي ينعكس مباشرة على مستويات فيتامين D في الجسم، وهو فيتامين يرتبط ليس فقط بصحة العظام، بل أيضا بحساسية الألم والحالة المزاجية. وتشير أبحاث إلى أن نقصه قد يزيد من آلام العضلات والعظام، ويرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وهما عاملان يؤثران بدورهما في تحمل الجسم للبرد.
وعليه، فإن مقولة “كنحس بالبرد في عظامي” ليست مجرد تعبير بلاغي متداول، بل توصيف دقيق لتفاعلات عصبية وعضلية ودورانية تحدث داخل أجسامنا مع كل موجة برد.
أما سبل التخفيف من تأثير البرد، فتبقى بسيطة وفعالة في الآن ذاته: اعتماد نظام غذائي يوفر سعرات حرارية كافية لمد الجسم بالطاقة اللازمة للتدفئة، ارتداء طبقات متعددة من الملابس لحجز الهواء الدافئ قرب الجلد، والحرص على الحركة المنتظمة التي تولد حرارة إضافية وتحافظ على مرونة المفاصل والعضلات. فبين العلم والتجربة اليومية، يظل الوعي الصحي خط الدفاع الأول في مواجهة زمهرير الشتاء.

تصنيفات