









يا وزيرالعدل.. لست وزيرا ولن تكون أبدا محاميا
الوكالة
2026-02-06

بقلم الاستاذ كفيل المحامي والأمين العام لحزب النهضة والفضيلة
ليست الأسماء في العربية محايدة، ولا الألقاب زينةً تُعلَّق على الصدور. فالكلمة عند العرب عقدٌ أخلاقي قبل أن تكون توصيفًا إداريًا، والمنصب امتحانٌ للمعنى قبل أن يكون سلطة. ومن هنا تبدأ المأساة حين يُمنَح الاسم لمن لا يحمل دلالته، ويُسنَد المنصب لمن لا يحتمل ثقله.
الوزير في أصل اللغة هو حامل الوِزر، أي من يخفف الأثقال عن السلطان والرعية، ويعين على تدبير الشأن العام بالحكمة والتروّي، لا من يضاعف الأعباء ويزرع الأزمات. فالوزارة ليست صدامًا، ولا استعراضًا، ولا نزوة خطابية، بل سياسة راشدة، وقدرة على الاحتواء، وفنّ إدارة الاختلاف.
ومنذ أن أُسندت وزارة العدل إلى عبد اللطيف وهبي، لم يشهد قطاع العدالة تهدئةً ولا توافقًا، بل عرف توترًا دائمًا، وصدامات متكررة، ومشاريع مثيرة للانقسام. بدل أن يكون الوزير جسرًا بين مكوّنات العدالة، صار عنصر توتير داخلها؛ وبدل أن يحمل عن الجسم القضائي والمهني أثقال الإصلاح، ألقى بها عليهم دفعة واحدة، دون تدرّج ولا إنصات.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: أين الوزارة من هذا السلوك؟
فالذي يفتعل الأزمات لا يحمل الوِزر، والذي يُعمّق القطيعة لا يمارس السياسة، والذي يُدير قطاعًا حيويًا بمنطق الغلبة لا بمنطق الحكمة، لا يستوفي شروط الاسم الذي يحمله، مهما طال بقاؤه في المنصب.
أما المفارقة الأشد إيلامًا، فهي أن هذا الوزير قادِم من مهنة المحاماة؛ المهنة التي قامت، تاريخيًا وأخلاقيًا، على الدفاع عن الحقوق، ومناصرة الضعفاء، وحماية التوازن داخل منظومة العدالة. فالمحامي ليس خصمًا للعدالة، بل شريكًا فيها، وليس تابعًا للسلطة، بل حاجزًا أخلاقيًا أمام تغوّلها.
غير أن المحاماة ليست شهادة تُعلَّق في الماضي، ولا بطاقة مهنية تُستثمر ضد أهلها. المحاماة خُلُق قبل أن تكون لقبًا، وسلوك يومي قبل أن تكون انتماءً مؤسساتيًا. ومن لا يُنصت، ولا يدافع عن استقلال المهنة، ولا يحترم موقعها داخل العدالة، لا يكون محاميًا، ولو حمل الاسم في سيرته الذاتية.
لقد عرف المغرب، في تاريخه القضائي، الدفاع قبل أن يعرف المحامي، والعدل قبل أن يعرف وزارة العدل. وكان دائمًا حذرًا من تضخّم الأشخاص على حساب المعاني، ومن تغوّل المناصب على حساب الدولة. لذلك ظلّ السلطان أقوى من الوزير، وبقيت العدالة فكرة أسمى من أي مسؤول.
إن ما نراه اليوم ليس خلافًا تقنيًا حول نصوص قانونية، بل خللًا في فهم المعاني الكبرى:
خللًا في معنى الوزارة،
وخللًا في معنى المحاماة،
وخللًا في معنى العدل نفسه.
يا وزيرَ العدل،
الوزارة ليست اسمًا،
والمحاماة ليست ماضيًا يُستعمل ضد أهلها،
والعدل ليس خطابًا يُرفع ولا مشروعًا يُفرض.
من لم يحتمل المعنى،
سيسقط حتمًا تحت ثِقَل الاسم .



