









مضاربات السوق ترفع أسعار زيت الزيتون والفلاح والمستهلك أكبر الخاسرين
الوكالة
2025-08-16

يشهد قطاع الزيتون وزيت الزيتون في المغرب أزمة متصاعدة، حيث تقاطعت فيها العوامل المناخية مع الاختلالات البنيوية في السوق، لتفرز وضعا معقدا يضر بالفلاح والمستهلك على حد سواء. فبينما يعاني المنتجون من ارتفاع تكاليف الزراعة والتجهيز، يجد المستهلك نفسه أمام أسعار لا تعكس حقيقة العرض والطلب، وإنما تكشف عن دور المضاربات وضعف آليات التنظيم والمراقبة.
خلال الموسم الفلاحي الحالي، سجل إنتاج الزيتون تراجعا ملحوظا بفعل الجفاف وموجات الحرارة، وهو ما انعكس سلبا على الكميات وجودة المنتوج. وحسب معطيات وزارة الفلاحة، فإن الإنتاج الوطني من الزيتون انخفض بأكثر من 40 في المائة مقارنة بموسم 2022، ليصل إلى حوالي 1.2 مليون طن فقط. هذا التراجع الحاد أدى إلى تقليص نسبة استخلاص الزيت، ورفع الأسعار بشكل تلقائي، خصوصا مع محدودية المخزون الاستراتيجي.

في المقابل، لم يكن ضعف الإنتاج وحده كافيا لتفسير الفجوة الكبيرة بين الأسعار عند الفلاح وتلك التي يواجهها المستهلك. فحسب تصريحات مهنية، يبيع الفلاحون الزيت بما بين 45 و50 درهما للتر، بينما يتجاوز سعره في الأسواق 70 إلى أزيد من 100 درهما، أي بزيادة تتراوح بين 40 و60 في المائة. هذه الهوة تعكس حجم المضاربات ودور الوسطاء الذين يتحكمون في مسار السلعة من المعصرة إلى رفوف المتاجر، مستفيدين من غياب سقف للربح ومن ضعف مراقبة الأسعار.
الحكومة حاولت التدخل عبر تسهيل الاستيراد لتغطية الحاجيات المحلية وخفض الضغط على السوق، حيث سمحت بداية باستيراد 10 آلاف طن من زيت الزيتون من أوروبا، ثم رفعت الكمية إلى 20 ألف طن. ورغم أن هذه الخطوة ساهمت نسبيا في التخفيف من ارتفاع الأسعار، إلا أنها أثارت مخاوف الفلاحين من إغراق السوق والإضرار بالإنتاج الوطني، خاصة أن المغرب يتوفر على حوالي 1.2 مليون هكتار من أشجار الزيتون، ويشغل هذا القطاع أكثر من 400 ألف فلاح.
من الناحية الاقتصادية، تكشف هذه الأزمة عن إشكالية بنيوية أعمق تتعلق بغياب تنظيم فعال لسلسلة القيمة، إذ يبقى الفلاح الحلقة الأضعف، في حين يستفيد الوسطاء والتجار الكبار من هامش ربح مرتفع. كما أن المستهلك المغربي، رغم تفضيله للزيت المحلي من حيث الجودة والطعم، يجد نفسه مجبرا على دفع ثمن لا يتناسب مع قدرته الشرائية ولا مع سعر البيع الأولي لدى المنتجين.
التقلبات المناخية تبقى عاملا رئيسيا لا يمكن تجاهله، لكنها وحدها لا تفسر الوضع الحالي. فالأزمة كشفت الحاجة إلى إصلاح هيكلي يشمل ضبط هوامش الربح، تقوية المراقبة، ووضع آليات لتخزين استراتيجي يحد من المضاربات الموسمية. كما أن تدبير الاستيراد يجب أن يتم وفق مقاربة عقلانية تراعي التوازن بين حماية الفلاح وضمان تزويد السوق.
الأكيد أن قطاع الزيتون، باعتباره أحد أعمدة الفلاحة المغربية، يحتاج اليوم إلى رؤية جديدة تضع في صلبها العدالة بين المنتج والمستهلك، وتمنع الوسطاء من تحويل الأزمة إلى فرصة للربح السريع. فالأمن الغذائي لا يرتبط فقط بتأمين الكميات، بل أيضا بقدرة المواطنين على الوصول إلى منتجات أساسية بأسعار عادلة، وبضمان دخل يحفظ كرامة الفلاحين الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع.




