









هل ينجح المغرب في تحويل الاستثمار العمومي إلى أداة للعدالة المجالية؟
الوكالة
2025-08-12

باحدة عبد الرزاق
يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2026، كما ورد في مذكرته التوجيهية، محطة فاصلة في مسار السياسات العمومية بالمغرب، من خلال رهان واضح على جعل تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية في صلب أولوياته. هذا التوجه يعلن عن انتقال استراتيجي من المقاربات الاجتماعية التقليدية إلى نموذج للتنمية الترابية المندمجة، حيث يصبح الاستثمار العمومي ليس فقط محركا للنمو الاقتصادي، بل أداة لإعادة التأهيل الشامل للمجالات وضمان عدالة تنموية تشمل جميع المواطنين دون استثناء. غير أن هذا الطموح الكبير يثير تساؤلات حول مدى قدرته على مواجهة الإكراهات الواقعية التي لطالما حدّت من أثر البرامج التنموية السابقة.
تطرح المذكرة التزام الحكومة بإطلاق جيل جديد من برامج التنمية، يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، وتوحيد جهود الفاعلين حول مشاريع ذات أثر ملموس، مع ربط التشغيل بالاستثمار المحلي وتثمين المؤهلات الجهوية. كما تضع ملفات حساسة مثل الموارد المائية، الصحة، والتعليم في قلب هذه المقاربة، عبر مؤشرات وأرقام طموحة، من قبيل بلوغ قدرة إنتاجية لتحلية المياه تناهز 1,7 مليار متر مكعب سنويا بحلول 2030، واستهداف 1,3 مليون تلميذ في مدارس الريادة، وخفض معدل البطالة إلى 9 في المائة، ورفع معدل المهنيين الصحيين إلى 45 لكل عشرة آلاف نسمة.
لكن هذه المؤشرات، على الرغم من طابعها الإيجابي، تطرح سؤال المصداقية والتنفيذ في سياق إكراهات مالية ومناخية متزايدة. فالتجارب السابقة، من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى برامج التنمية الجهوية، أظهرت أن النجاح لا يتوقف على وضوح الأهداف، بل على جودة التنسيق بين الفاعلين، وصرامة المتابعة، وتعبئة التمويلات الضرورية دون المساس بالتوازنات الماكرو-اقتصادية. كما أن التحولات المناخية، خاصة ندرة المياه، تضيف تحديات إضافية قد تؤثر على وتيرة إنجاز المشاريع وعلى الأثر المنتظر منها.
من جهة أخرى، يشكل رهان التشغيل محورا مفصليا، إذ يربطه المشروع بتنمية المهارات ودعم الاستثمار، غير أن تحقيق الأهداف المعلنة يتطلب قدرة عالية على جذب الاستثمارات النوعية وتوجيهها نحو الجهات التي تعاني من ضعف البنيات الاقتصادية، وهو ما يتطلب تجاوز العقبات الإدارية والبيروقراطية وتبسيط المساطر بشكل فعلي. وفي المجالين الصحي والتعليمي، فإن رفع جودة الخدمات وتوسيع العرض يظلان مرتبطين بقدرة الدولة على تحفيز الموارد البشرية والحفاظ عليها، خصوصا في المناطق النائية التي تعاني من استنزاف الكفاءات.
إن الطموح الذي تحمله المذكرة التوجيهية لمشروع قانون المالية 2026 يعكس إرادة سياسية في جعل العدالة المجالية والاجتماعية جوهر السياسات العمومية، لكنه في الوقت ذاته يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: هل يمكن تحويل الاستثمار العمومي إلى رافعة ملموسة لتقليص الفوارق في ظل واقع اقتصادي ومناخي معقد؟ الجواب عن هذا السؤال سيتوقف على قدرة الفاعل العمومي على الانتقال من منطق الإعلان عن البرامج إلى منطق إنجازها الفعلي، بما يضمن أن تكون النتائج على قدر الوعود، وأن يشعر المواطن في القرى والمدن النائية بثمار هذا التحول في حياته اليومية.




