









سيرغي كيرينكو.. العقل التنفيذي الأبرز في سياسة الكرملين داخليًا وخارجيًا
الوكالة
2025-08-12

برز اسم سيرغي كيرينكو، النائب الأول لرئيس ديوان الكرملين، كأحد أبرز الشخصيات التنفيذية التي يعتمد عليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إدارة الحرب على أوكرانيا، بالإضافة إلى دوره الكبير في إدارة الشؤون الداخلية والخارجية للكرملين.
رغم أن منصبه الرسمي يبدو إدارياً وفنياً، فإن الواقع يكشف عن شبكة واسعة من الصلاحيات جعلت منه لاعباً محوريًا في رسم سياسات موسكو سواء في الداخل أو في الأراضي الأوكرانية التي ضمتها روسيا، فضلاً عن إعادة بناء البنية السياسية والإعلامية بما يتماشى مع مصالح الكرملين.
ووفقاً لتقرير صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن كيرينكو (البالغ من العمر 63 عامًا) يشتهر بقدرته الاستثنائية على تنفيذ توجيهات بوتين بهدوء ودقة، دون أن يثير ضجيجاً.
يُعرف عن كيرينكو تركيزه على “حل المشكلات التقنية” التي يعرضها الرئيس الروسي، بدءًا من تنظيم الاستفتاءات في المناطق الأوكرانية التي تم ضمها في عام 2014 (مثل القرم)، وصولاً إلى إعادة هيكلة المشهد السياسي الداخلي بما يضمن استمرارية الهيمنة على مفاصل الدولة.
وصفت الصحيفة كيرينكو بأنه تكنوقراطي دقيق في التفاصيل، لا يمتلك أجندة سياسية مستقلة، لكنه بارع في تنفيذ توجيهات القيادة وترجمتها إلى إجراءات عملية. ومن هنا، فإن كيرينكو أصبح أداة رئيسية في إتمام الأهداف الاستراتيجية للكرملين.
بدأت مسيرة كيرينكو السياسية في تسعينيات القرن الماضي، حيث تولى منصب رئيس وزراء روسيا في عام 1998 عن عمر يناهز 35 عامًا. ورغم أنه حمل لقب “مفاجأة كيندر” من قبل الصحافة، بسبب ظهور الشاب في هذا المنصب الهام وسط الأزمة الاقتصادية الروسية، إلا أن فترة توليه رئاسة الحكومة لم تدم طويلاً، إذ استقال بعد فترة قصيرة بسبب أزمة الديون. بعد مغادرته منصبه الحكومي، أسس كيرينكو حزباً إصلاحياً تبنى سياسات اقتصادية ليبرالية.
مع وصول بوتين إلى الكرملين في عام 2000، بدأ كيرينكو بالتحول إلى أحد العناصر الأساسية في جهاز الدولة، وانضم إلى الديوان الرئاسي حيث أدار لاحقًا شركة “روس آتوم” للطاقة النووية. خلال هذه الفترة، طبق كيرينكو أساليب إدارية حديثة وعقد صفقات استراتيجية عززت من نفوذ روسيا في قطاع الطاقة النووية.
في عام 2016، عاد كيرينكو إلى منصب النائب الأول لرئيس ديوان الكرملين ليشرف على الشؤون السياسية الداخلية في روسيا. تولى مسؤولية تنظيم الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية، وهو الدور الذي جعله أحد المهندسين الرئيسيين لهيمنة السلطة على أكثر من 80 منطقة روسية. كان كيرينكو أيضًا وراء ابتكار برامج لاختيار “جيل جديد من التكنوقراط” عبر مسابقات واختبارات، وزج بخريجي هذه البرامج في مناصب إدارية حساسة، بما في ذلك في المناطق الأوكرانية التي ضمتها روسيا بعد عام 2022.
مع بداية الحرب على أوكرانيا في عام 2022، تحول كيرينكو إلى أحد الأوجه الرئيسية التي تروج لرواية الكرملين. حيث زار العديد من المناطق الأوكرانية مثل دونيتسك، لوغانسك، خيرسون، وزابوريجيا، مستعرضًا الوضع في تلك المناطق التي أعلنت روسيا ضمها.
وعُرف عنه إشرافه على إعادة صياغة المناهج التعليمية في هذه المناطق لتشجيع الخطاب القومي المؤيد للحرب. كما مارس ضغوطًا على المسؤولين المحليين للانضمام إلى الإدارات الروسية المحلية، مهددًا بتقليص فرصهم الوظيفية في حال رفضهم التعاون مع السلطات الروسية.
امتد تأثير كيرينكو إلى المجال الثقافي والإعلامي في روسيا، حيث دعم بشكل متزايد الفنانين الموالين للسلطة، بينما قام بإقصاء المعارضين وقلص من وجودهم في الفضاء العام. كما أشرف على تعزيز سيطرة الدولة على الإنترنت، عبر إجبار منصات التواصل الاجتماعي مثل “VK” على الامتثال للرقابة، وكذلك تطوير تطبيقات مراسلة محلية على الهواتف المحمولة.
لم تقتصر مهام كيرينكو على الشؤون الداخلية فقط، بل امتدت إلى القضايا الخارجية الحساسة مثل أبخازيا ومولدوفا، حيث تولى مسؤولية تعزيز نفوذ روسيا في هذه المناطق التي شهدت تراجعًا في تأثير بعض المسؤولين بسبب مواقفهم من الحرب. يرى العديد من المراقبين أن بوتين يعتمد على كيرينكو في تنفيذ السياسات التي تتطلب مزيجًا من البيروقراطية الفعالة والانضباط السياسي، مما يعزز مكانته داخل هرم السلطة الروسي رغم طابع دوره الصامت.
وصف المعارض الروسي إيليا ياشين كيرينكو بأنه “فعال وانتهازي بالكامل”، مؤكداً أن كيرينكو يمتلك القدرة على تبرير أي تحول في سياسة الدولة إذا تغير اتجاه القيادة، سواء كان ذلك نحو مزيد من التشدد أو نحو الانفتاح على الغرب. وهذا يبرز كيرينكو كأحد أبرز منفذي أجندة بوتين، حيث يُعتبر من أكثر الشخصيات المرنة والوفية للسلطة في آن واحد.




