









الفنان لحسن اشيبان يسلط الضوء على تحديات الأغنية الأمازيغية وتطورها
الوكالة
2025-08-03

عبدالكريم الحساني
في حوار خاص مع الفنان الأمازيغي الكبير لحسن اشيبان، الذي يُعتبر من أبرز وجوه الأغنية الأمازيغية المعاصرة، ناقش العديد من القضايا الفنية والثقافية التي تخص الساحة الأمازيغية، مشيرًا إلى التحديات التي تواجه الفن الأمازيغي بشكل عام، بدءًا من قضايا اللغة، وصولاً إلى تفاعلات الجمهور مع الأعمال الفنية الأمازيغية. يُعتبر اشيبان، الذي نشأ في مدينة الريش، أحد أبرز الأسماء في المجال الفني الأمازيغي، حيث تفرد بأسلوبه الخاص الذي يجمع بين العزف على آلة “لوتار” وأداء الأغاني الأمازيغية بأسلوب موسيقي مبتكر.
مسار فني حافل بالإنجازات
لحسن اشيبان، الذي وُلد في مدينة الريش، بدأ رحلته الفنية مبكرًا وهو في الرابعة عشرة من عمره. كان حريصًا منذ البداية على تعلم الشعر الأمازيغي، وبدأ مشواره بمحاكاة شعراء “أسايس” في المنطقة. ورغم أن اهتمامه الأول كان منصبًا على دراسته في الكتاب والمدرسة الابتدائية، إلا أن جاذبية “لوتار” وأشعار المحيط الاجتماعي الذي نشأ فيه كانت أكثر تأثيرًا في تشكيل شخصيته الفنية.
منذ بداياته، ارتبط اشيبان بالشعر الأمازيغي التقليدي وتعلم أسرار العزف على آلة “لوتار”، ليكتسب مهارة في استخراج سلاليم موسيقية فريدة تميزت عن باقي العازفين في نفس جيله. كما عمل على تطوير أسلوبه الخاص في الغناء الأمازيغي، حيث تبنى أسلوبًا يمزج بين الأصالة والتجديد. كما ساهم في تشكيل مدرسة متميزة في الأغنية الأمازيغية، ساعدت في توسيع دائرة انتشار هذا النوع من الفن في العديد من الأوساط.
اللغة الأمازيغية المعيارية: تباين الآراء والتحديات
أحد المواضيع الرئيسية التي تناولها الفنان لحسن اشيبان في حواره كان قضية اللغة الأمازيغية المعيارية. انتقد اشيبان بشدة التوجهات التي تسعى إلى فرض لغة معيارية على الأمازيغية، مشيرًا إلى أن هذه اللغة المعيارية، على الرغم من كونها محاولة لتوحيد اللهجات الأمازيغية المختلفة، لا تعكس الحقيقة اللغوية والثقافية للأمازيغ في واقعهم اليومي. واعتبر أن هذه اللغة المعيارية ليست محط قبول من معظم الأمازيغيين، لأنها تخلو من الصدق وتعكس بالأساس محاولات البعض لصنع مصطلحات جديدة قسرية، مثل كلمة “أدليس” التي ادُّعي أنها تعني الكتاب، على الرغم من أنها غير معروفة للكثيرين. وأكد أن هذه المصطلحات التي يتم فرضها اصطناعيًا تُعقِّد فهم الشعر الأمازيغي من قبل عامة الناس.
دور الدين الإسلامي في إحياء اللغة الأمازيغية
وفيما يتعلق بالتوجهات التي تتهم الدين الإسلامي بأنه كان سببًا في تراجع اللغة الأمازيغية، عارض اشيبان هذا الرأي بشدة. وأوضح أن الدين الإسلامي، على العكس من ذلك، ساهم بشكل كبير في الحفاظ على اللغة الأمازيغية، خاصة من خلال دور العلماء الأمازيغ في نشر الثقافة الإسلامية عبر العصور، مما أتاح للغة الأمازيغية أن تظل حية، بل وأن تزدهر في العديد من المجالات الثقافية والدينية.
الأزمة الفنية: من المسؤول؟
وفي حديثه عن أزمة الفن الأمازيغي المعاصر، أشار اشيبان إلى ما اعتبره “أزمة ذوق جماهيري”، موضحًا أن الجمهور الأمازيغي قد تغيرت مفاهيمه الفنية في الآونة الأخيرة. وقال: “اليوم لدينا أزمة في فهم الشعر الأمازيغي، ليس بسبب عيوب في الشعر نفسه، بل بسبب تدهور الذوق الفني لدى الجمهور”. وأضاف أن البعض من الناس أصبحوا يُفضلون الفن الذي يتماشى مع الذوق الغربي أو الموسيقى التي لا تُحاكي الواقع الثقافي الأمازيغي، بينما لا يعيرون انتباهًا للفن الأصيل الذي يحترم الثقافة الأمازيغية ويعبِّر عن هويتها الحقيقية.
الغناء الأمازيغي والازدواجية اللغوية
على صعيد الغناء الأمازيغي، تحدث اشيبان عن التحدي الذي يواجهه في استخدام الأمازيغية والدارجة المغربية في نفس الوقت في أغانيه. وقال إنه لا يزال في “بحث مستمر” عن نفسه الفنية، مؤكداً أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الإحساس الكامل بالاستقرار الفني. أشار إلى أن الغناء بالأمازيغية هو الأقرب إلى قلبه لأنه لغته الأم، لكن في الوقت نفسه يعترف بأن الأمازيغيين بحاجة إلى دعم الفنانين بشكل أكثر فاعلية، ليس من خلال المال فقط، بل من خلال توفير المواد الثقافية والتراثية التي يمكن للفنانين العمل عليها وتقديمها للجمهور في قالب فني.
الشعر الأمازيغي: بين الأصالة والمعاصرة
تناول اشيبان أيضًا مسألة الشعر الأمازيغي، موجهًا انتقادات لاذعة لبعض الشعراء الذين اتبعوا أساليب هجينة في نظم الشعر، مستخدمين اللغة العربية بشكل مُبالغ فيه. وقال إن هذه الظاهرة كانت سائدة في الماضي وكانت بمثابة “موضة جمالية” لا علاقة لها بالقدرة على التعبير بالأمازيغية. وأوضح أن هؤلاء الشعراء كانوا يعبرون عن الواقع الذي عاشوه في ذلك الوقت، حيث كان استخدام اللغة العربية بمثابة علامة ثقافية تعكس التطور الاجتماعي والفكري في تلك الحقبة. وأضاف أن الكثير من الجمهور في الخمسينات كان يتابع الإذاعة الوطنية ويتفاعل مع الأغاني الأمازيغية التي كانت تتمتع بذوق رفيع وصدق كبير في الأداء.
تقييم الأغنية الأمازيغية المعاصرة
وفي ختام حديثه، أشار اشيبان إلى أن العديد من الفرق الغنائية الأمازيغية المعاصرة لا تزال تواجه صعوبة في التأقلم مع ذوق الجمهور المتغير. وأضاف أن التحدي الأكبر اليوم هو في الحفاظ على الأصالة في ظل العولمة والذوق الفني العالمي الذي يغزو السوق، مشيرًا إلى أن بعض الفرق الفنية الأمازيغية الحديثة “تمتحن” وتُقيَّم فقط بعد أن تقدم أداءً يُثبت جدارتها أمام الجمهور.
في النهاية، دعا اشيبان إلى ضرورة دعم الثقافة الأمازيغية بشكل أكبر من قبل المؤسسات والمجتمع، من خلال الاهتمام بالتراث وتعزيزه بالبحث والدراسة، ليتمكن الفنانون من تجديده وتقديمه في قوالب فنية تليق بعراقة هذه الثقافة وتاريخها.



