









بين الجدار والذاكرة.. تمثلات الهوية والرسالة الجمالية في تجربة فاطمة لبراهيمي الجدارية
الوكالة
2025-07-30

بدر قلاج
في الزمن الذي يتقلص فيه الحضور البصري للفن داخل الفضاءات العمومية، تبرز تجربة الفنانة العصامية فاطمة لبراهيمي كإحدى العلامات النادرة التي أعادت للجداريات دورها التأملي، التربوي، والجمالي في آن.
فاطمة، التي تربت على وقع الريشة واللون في حضن عائلي متشبث بالفن، لم تلج الأكاديميات الكلاسيكية، لكنها تشكلت في مدرسة الذات، وفي الحوار الحميمي الذي كان يجمعها بوالدها وأخواتها حول الرسم، كطقس يومي، لا كترف عابر.

منذ صباها، لم تكن فاطمة ترسم فقط كي “تُبدع”، بل كانت تشتغل على اللوحة بوصفها مرآة للكينونة، ولذاكرة الجماعة، ولما هو متجذر في الحس الجماعي من رموز وحنين. وقد وجدت في الجدران، وبالخصوص في فضاءات المؤسسات التعليمية، مسرحًا مفتوحًا لرسائلها. إننا لا نتحدث هنا عن تزيين شكلي ساذج، بل عن إعادة تشكيل الوعي الجمالي والبصري للمتعلمين، عبر إدخال الفن إلى قلب اليومي، وإلى قلب المدرسة التي غالبًا ما تتحول إلى فضاء رمادي باهت.

ما تقدمه فاطمة لبراهيمي على جدران مدارس مراكش، وعلى الخصوص في إقليم الحوز، ليس مجرد طلاء مبهج، بل ممارسة فنية تقترن بالفكر، وتحمل رؤية فلسفية. فهي تشتغل على موضوعات الهوية، التراث، البيئة، والذاكرة الجماعية، من خلال أشكال وألوان تتفاعل مع النسيج الثقافي للمكان، دون أن تفقد خصوصيتها الذاتية. في أوريكا، تقف إحدى جدارياتها كشاهد بصري ناطق، لا على موهبة فقط، بل على مشروع فني كامل. تلك الجدارية لا تكتفي بجذب العين، بل تحاور العقل، وتستفز الأسئلة حول الفن، التلقي، والوظيفة الرمزية للجدار في الفضاء العمومي.

لا تقف تجربة فاطمة لبراهيمي عند حدود الجدار كمساحة بصرية، بل تتجاوزها إلى عوالم الحبر، حيث تتجلى رؤيتها الفنية الدقيقة في خطوط صارمة لا تخلو من الشعرية، وكأنها تمارس نوعاً من التأمل البصري المسكون بالمعنى. إن رسوماتها بالحبر ليست مجرد تمرينات تقنية على الإتقان، بل هي دعوة إلى إعادة النظر في العلاقة بين الشكل والفراغ، بين الحدس والمهارة. ففي عالم تُخدّر فيه الصورة بالسرعة والاستهلاك، تأتي خطوط لبراهيمي لتبطئ الإيقاع وتوقظ الحواس، معلنة أن الفن لا يُقاس بمدى تشابهه مع الواقع، بل بقدرته على خلخلته.
إن فاطمة لبراهيمي تمثل نموذجًا مضادًا للسائد، فهي لا تسعى إلى الشهرة الاستعراضية، ولا تلهث وراء السوق الفنية، بل تراهن على التأثير الصامت، العميق، والمستدام. ولعل نقد تجربتها لا يمكن أن ينفصل عن سياقها: فن تشكيلي قادم من الهامش، لكنه ينحت لنفسه مكانة في القلب، في الذاكرة، وفي تخوم الجدران التي تتحول بفضلها من إسمنت بارد إلى وثائق روحية.
إن تجربتها تدعونا إلى مساءلة المركز والهامش في التشكيل المغربي، وإلى إعادة التفكير في معنى أن تكون فنانًا عصاميًا يحمل قضية بصرية، لا مجرد أسلوب. فالفن في تصور فاطمة لبراهيمي ليس وظيفة، بل مسؤولية. ومن هنا، تبدو أعمالها الجدارية بمثابة رسائل مفتوحة، تعيد صياغة العلاقة بين الجدار والإنسان، بين الرسم والرسالة، وبين الفن والواقع.
فاطمة لا تُؤطرها المعارض، ولا تؤرخ لها الكتالوغات، بل تحيا أعمالها بين التلاميذ، في الممرات، في عيون الأطفال، وفي صمت الجدران. تلك هي عظمتها، وتلك هي ثورتها الجمالية الهادئة.



