









الغَيطة التي لا تغدر: قاسم العزوة وذاكرة الإيقاع في وجدان سيدي قاسم
الوكالة
2025-04-30

بدر قلاج /
في زاوية هادئة من ذاكرة سيدي قاسم، حيث تنبعث روائح الأرض والحنين من طيات الزمن الشعبي، يقف اسم قاسم العزوة كعلامة فارقة بين أولئك الذين نقشوا بصمتهم في تاريخ الفن الجماعي، لا بصراخ الشهرة، بل بتواضع الروح، وعنفوان الإبداع المغمور بالصدق.

ولد قاسم العزوة في مدينة أنجبت لاعبين كبارًا في كرة القدم، وشيوخًا للفن الشعبي الذين صنعوا من الغيطة والطبل لغتهم الأولى. كانت انطلاقته في أواخر الستينات وبداية السبعينات، زمن المجموعات التي شكلت نبض الأحياء الشعبية في سيدي قاسم، زمن “الغياطة” و”البطالة” كفنٍّ وشكل من أشكال التعبير الجمعي.

لم يكن قاسم مجرد فنان يُحيي الحفلات والمناسبات، بل كان صوتًا لروح المدينة، يحرك الطبل كما يحرك القلوب، ينفخ في الغيطة كما لو أنه يُعيد الحياة لذاكرة منسية. وما يميزه أكثر من إبداعه، هو خُلقه العالي، وبره بوالدته التي لم يغادر بيتها إلا برضاها. ماتت وهي راضية عنه، وبهذا الرضا سُقيت خطواته الفنية بالبركة.

قاسم هو ابن الحي الشعبي “صحراوة”، ذاك الحي الذي لا يمكن الحديث عنه دون التوقف عند محطة بارزة في مسيرته الفنية، وهي اسم المدير الفني خالد دليمي، أحد الوجوه التي اشتغلت في صمت مع كبار الفنانين الشعبيين، وساهمت في إبراز الكثير من الطاقات الفنية في سيدي قاسم وخارجها. بين قاسم العزوة وخالد دليمي خيوط غير مرئية من الوفاء للفن الشعبي، ومن الانتماء لحيٍّ ظلَّ يرفد الذاكرة الجماعية بأصوات لا تموت.
ترأس قاسم مجموعة شعبية، ولم يسعَ إلى أضواء المدن الكبرى، بل آثر أن يظل بين أهله، حيث الغناء ليس أداءً، بل مشاركة وجدانية، حيث الطبل لا يدوّي فقط بل يبوح، وحيث الغيطة لا تصرخ بل تروي.
قاسم العزوة، أحد أقدم فناني المجموعات الشعبية في سيدي قاسم، هو نموذج لفنان لا يحتاج إلى ألبومات أو قنوات ليثبت حضوره، بل يكفي أن تذكره الذاكرة الشفوية، ويرد اسمه في جلسات الدفء الشعبي، ليبقى صوته حيًّا في العقول والقلوب.
ففي زمن يتسابق فيه كثيرون نحو الأضواء، اختار هو أن يكون الضوء الذي لا يطفأ في وجدان مدينته.



