أصوات منسية تصنع المجد: الفن الشعبي بين الإلهام المحلي والرهان العالمي

الوكالة

2025-04-20

بدر قلاج /

في مدينة سيدي قاسم، حيث تمتزج ظلال أشجار الزيتون بذاكرة نهر سبو، وحيث لا تزال الحكايات الشعبية تُروى عند الغروب، تولد المواهب كما تولد القصائد في لحظات التجلي. مدينة أنجبت الكثير في مجالات الرياضة والفن، ولم تتوقف عن العطاء، كأنها على موعد دائم مع الإبداع. ومن بين هذه المواهب التي أطلت على المشهد الشعبي المغربي، يبرز اسم الفنان أمين القاسمي، بصوته الجهوري وإيقاعه القريب من نبض الأرض، كعلامة على استمرار سيدي قاسم في إنجاب المبدعين.

أمين القاسمي ليس مجرد فنان شعبي آخر، بل هو تجربة قائمة على استعادة الذاكرة الجماعية للمنطقة، وتفكيكها ثم إعادة تركيبها في قالب فني يحاكي وجدان الجمهور. انطلق من الحلقات الشعبية ومن مناسبات الأعراس، حيث تنصت الأرض لإيقاع الدفّ وتتمايل الأرواح مع كلمات من عمق المعاناة والفرح. لكنه لا يكتفي بأن يكون فنان أعراس أو مناسبات؛ بل يطمح لأن يعبر بجمهوره من المحلي إلى العالمي، من الهامش إلى المنصات الكبرى، من سيدي قاسم إلى عواصم الفن.
هذا الطموح لا يُترجم فقط في الحضور المتزايد لأمين القاسمي في مهرجانات وطنية، بل يتجلى أيضًا في وعيه العميق بأهمية الهوية الفنية، وفي سعيه الدؤوب إلى تطوير أدواته التعبيرية دون التفريط في الجذور. إنه نموذج للفنان الذي يُراكم التجربة دون أن يتنكر للبيئة التي أنجبته، فيغني لسيدي قاسم كما لو كانت العالم، ويخاطب العالم كما لو كان سيدي قاسم.
وإذا ما تحدثنا عن سيدي قاسم والفن الشعبي، يصادفنا اسم آخر لا يقل أهمية: خالد الدلمي، الذي يشكل بدوره حجر زاوية في المشهد الشعبي المحلي والوطني، باعتباره مديرًا فنيًا للعديد من الفنانين الشعبيين. هو من أولئك الذين يشتغلون في الظل لصناعة الضوء، يرافق الفنانين في رحلاتهم الفنية، يوجه، ينظم، ويؤمن بأن وراء كل صوت ناجح عقل إداري وفني يُحسن الإنصات لمتطلبات الذوق العام. لقد استطاع أن يحوّل شغفه بالموسيقى الشعبية إلى بنية تنظيمية تُعطي للفنان فضاءً أوسع للحضور والاستمرارية.
في وجه هذا السعي، تبرز تحديات جمة: مؤسسات ثقافية غائبة، دعم غير منتظم، وإعلام لا يلتفت كثيرًا إلى الطاقات التي تشتغل في الظل. ومع ذلك، يستمر أمين القاسمي، ويواصل خالد الدلمي مهمته، لأنهما يدركان معًا أن للفن قدرة على اختراق الجغرافيا، وأن الإخلاص للهوية الشعبية لا يتناقض مع التطلع للعالمية، بل قد يكون شرطها الأصيل.
إنه تمرين يومي على الموازنة بين الأصالة والتجديد، بين التراب والضوء، بين الظل الذي يحفظ الذاكرة والنور الذي يفتح أفق الانتشار. وهكذا، يغدو صوت أمين القاسمي، وإشراف خالد الدلمي، بمثابة وثيقة ثقافية حية، تحكي عن فنانين لم يختارا طريقهما صدفة، بل بنيا مسارهما كما تُبنى القصائد: بالتكرار، بالتحدي، وبالحلم.
ولعل في هذا الصوت الذي خرج من قلب سيدي قاسم، وفي تلك العقول التي تدبر خلف الستار، ما يشي بأن الهوامش، في لحظة من اللحظات، قادرة على أن تتوسط الخريطة. فقط حين يكون الفن استبصارًا، والطموح إيمانًا، والغناء فعل مقاومة ضد النسيان.

تصنيفات