









“المحطّة 50”.. حين ينفتح المسرح العربي على التراث المغربي بلغة وجودية معاصرة
الوكالة
2025-04-19

عبدالكريم الحساني
في تجربة فنية فريدة تمزج بين عبق التراث المغربي وقلق الإنسان المعاصر، قدّمت المسرحية المغربية “المحطّة 50” لحظة مسرحية استثنائية ضمن فعاليات اليوم الرابع من المهرجان الدولي لمسرح الأحياء في دورته الثامنة، الذي تنظمه جمعية المسرح بمدنين بالشراكة مع المسرح الصغير التابع لشركة البحث للإنتاج الفني.


لم يكن العرض مجرّد حضور فني ضمن برنامج المهرجان، بل شكّل بوابة لانفتاح الدول العربية على الثراء الثقافي المغربي، من خلال عمل يتغذّى من جذور التراث الشعبي، وينبض بأسئلة الحداثة والوجود.

مسرح من الذاكرة والواقع
العمل من تأليف بدر قلاج وإخراج عبد الصادق طيارة، وبطولة كل من آمال بوعثمان، حليمة بلكدع، وبدر قلاج. وقد تولّت وفاء أبو شادي السينوغرافيا وتصميم الأزياء، بينما أضفى أحمد الوادودي من خلال الإنارة والموسيقى أبعادًا جمالية عمّقت من طاقة العرض التعبيرية.

تدور أحداث المسرحية في “محطة” يبدو ظاهرها مجرّد مكان عبور، لكنها تتحوّل في عمق النص إلى مجاز فلسفي يعكس حالة الترقّب، والقلق، والتيه الوجودي الذي يعيشه الإنسان في زمن المتغيّرات العنيفة. يلتقي في هذا الفضاء شخصيات تبحث عن خلاص أو إجابة، دون يقين، في ظل عالم يسير بلا بوصلة واضحة.

من التراث المغربي إلى فضاء كوني
المحطّة 50 ليست فقط نصًا مسرحيًا مشحونًا بالتأمل والأسئلة، بل هي أيضًا تجربة جمالية تستلهم من التراث المغربي الشعبي شكلاً ومضمونًا. إذ تستثمر اللهجة المغربية، والإيقاعات المحلية، وملامح من السرد الشفهي والأساطير الشعبية، لتعيد توظيفها في خطاب مسرحي حداثي يتجاوز الجغرافيا واللغة.

هذا الانفتاح على التراث لا يأتي من باب الحنين أو التغنّي بالماضي، بل بوصفه مادّة حيّة وقادرة على إنتاج خطاب إنساني عابر للحدود. ومن هنا، يصبح العرض فرصة ثمينة لانفتاح الجمهور العربي والدولي على العمق الثقافي للمغرب، وعلى كيفية تَحوُّل عناصر من التراث المحلي إلى أدوات فنية تعبّر عن قضايا الإنسان الكوني.

حضور مغربي يراهن على السؤال
بهذا العمل، يؤكّد المسرح المغربي من جديد قدرته على الحضور النوعي في المحافل العربية والدولية، من خلال لغة درامية شعرية، مشهدية بصريّة، ونصّ يتجاوز التلقين ليطرح السؤال. “المحطّة 50” لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تفتح الباب أمام المتفرّج ليعيد التفكير في علاقته بالزمن، بالآخر، وبذاته.
في انتظار الحلم.. وفي الحلم مقاومة

المسرحية، وهي تمرين على الانتظار، لا تسجننا في لحظة الترقب، بل تحفّزنا على الحلم، على المقاومة ضد الركود، وعلى الانخراط في صيرورة التغيير. هي محطة، نعم، لكنها أيضًا انطلاقة.

هكذا تتحوّل “المحطّة 50” من عرض مسرحي إلى لحظة فكرية وفنية ملهمة، تضع المسرح في قلب المعركة الرمزية من أجل الجمال، والحرية، واستعادة الإنسان في زمن التهميش



