ارنوب اللهوب: حين يهمس المسرح في أذن الطفولة ويوقظ دهشة الكبار

الوكالة

2025-04-13

بدر قلاج _ مراكش

ليس من السهل أن يتقاطع العبث الطفولي بالدهشة العميقة، أو أن يصير الأرنب أستاذًا في الأخلاق، والمسرح معلمًا صامتًا لا يرفع صوته لكنه يهزّ الوجدان. هذا ما تحقق في العرض الأول لمسرحية “أرنوب اللهلوب”، العمل الجديد الذي احتضنه فضاء “يوبي كيدس” للأطفال، تحت بصمة مسرح أيوب سمسمة، الذي بدا كمن يستنبت الحكمة من الضحك، ويصوغ الجمال من البساطة.
منذ اللحظة الأولى، بدا العرض وكأنه يفتتح طقسًا جديدًا من الطفولة: طفولة ليست في عمرها بل في روحها، تلك التي تسكن في كل من لم يفقد القدرة على الدهشة. “أرنوب اللهلوب” ليس فقط شخصية مسرحية، بل هو استعارة حيّة لطفل داخلي يركض بيننا، يبحث عن صداقة، عن معنى، عن قيمة في زمن تتراكم فيه الشاشات وتخفت فيه الحكايات.
المسرحية التي حملت توقيع الفنان الوليد مزوار تأليفاً وإخراجاً، لم تكن مجرد عمل موجه للصغار، بل كانت تجربة متعددة الطبقات، يمكن للطفل أن يضحك منها، وللكبير أن يتأملها، وللناقد أن يقرأ ما بين سطورها من رموز تربوية وجمالية، صيغت برؤية فنية تنبض بالإخلاص والتفاني. من السينوغرافيا الأخاذة التي أبدعها رشيد سراج، إلى الإشراف العام الدقيق لزوبيدة بنقزو، ومن المحافظة المنظمة لرضى فلكي، إلى احترافية التقنيات بقيادة عادل المنصوري وتنفيذ الديكور بإبداع إبراهيم أبو السيف، كان كل عنصر في العرض يسهم في بناء عالم متكامل ومتناغم، يخاطب الحس قبل العقل.
أما الأداء، فكان فصلًا آخر من الحكاية: زوهير خاشع الرحمان منح الأب حضورًا مفعمًا بالحكمة والهدوء، وعبد العاطي كرداح جسّد الابن بنبرة صادقة تحمل حيرة النشأة، لكن النجم الأبرز كان جمال كنو، الذي لبس شخصية “أرنوب اللهلوب” بروح حقيقية جعلت منه لا مجرد بطل مسرحي بل مخلوقًا محبوبًا تماهى معه الصغار، وتسلل إلى قلوب الكبار من حيث لا يشعرون.
هذا العرض، في جوهره، ليس ترفًا فنياً ولا لحظة عابرة من التسلية، بل هو درس تربوي مغلف بالخيال، تمرين على أن نربي أطفالنا بالجمال لا بالعنف، وبالسؤال لا بالجواب الجاهز. لقد استطاعت المسرحية أن تؤسس لحوار غير مباشر مع النشء، تقدّم لهم القيم دون تلقين، وتنثر في دروبهم بذور الفضيلة دون خطاب أخلاقي مباشر.
“أرنوب اللهلوب” هو أيضًا تذكير للكبار بأن الطفولة ليست مرحلة تُعبر، بل موطن لا يغادرنا، وأن المسرح، حين يصير صادقًا ونابضًا بالحب، قادر على أن يوقظ فينا ما نام، ويصلح فينا ما أفسدته السرعة والحياة الرقمية.
نجاح هذا العمل ليس مجرد إشادة بل دعوة: دعوة إلى دعم مسرح الطفل لا كمجال جانبي بل كرافعة حقيقية لإعادة بناء الذوق، وترميم العلاقة بين الإنسان والخيال. في “أرنوب اللهلوب”، استطعنا أن نرى كيف يصبح الأرنب فيلسوفًا، وكيف يغدو اللعب مقاومة ناعمة ضد القبح، وكيف يعلّم المسرح الطفل كيف يكون جميلًا دون أن يقول له: كن جميلاً.

تصنيفات