المغرب يحصل على 650 مليون دولار لتسريع الرقمنة وتقوية الصمود الاقتصادي

الوكالة

2026-06-14

حصل المغرب على دفعة جديدة من الدعم المالي الدولي بعد مصادقة مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي على برنامجين استراتيجيين بقيمة إجمالية تصل إلى 650 مليون دولار، يرومان مواكبة التحول الرقمي للمملكة وتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر المناخية والكوارث الطبيعية والتهديدات السيبرانية، في إطار رؤية تنموية تستهدف تحديث الاقتصاد الوطني وتحفيز الاستثمار الخاص خلال السنوات المقبلة.
وأوضح البنك الدولي، في بلاغ رسمي، أن التمويل الجديد يتوزع بين برنامج لتسريع التحول الرقمي بقيمة 250 مليون دولار، وبرنامج ثانٍ لتمويل المناخ وتدبير المخاطر بقيمة 400 مليون دولار، مشيرا إلى أن المبادرتين تم تطويرهما بشراكة وثيقة مع السلطات المغربية من أجل مواكبة الإصلاحات الهيكلية الكبرى التي أطلقتها المملكة في مجالات الرقمنة والانتقال المناخي وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني.
ويعد برنامج تسريع التحول الرقمي أحد أبرز المشاريع الداعمة لاستراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تراهن عليها الحكومة لتحديث الإدارة العمومية وتطوير الاقتصاد الرقمي وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقاولات. ويرتقب أن يساهم هذا التمويل في تسريع رقمنة الخدمات العمومية وجعلها أكثر سهولة وفعالية، من خلال اعتماد مقاربة تتمحور حول حاجيات المرتفقين وتتيح لهم الولوج إلى مختلف الخدمات الإدارية عبر منصات إلكترونية موحدة.
وفي هذا الإطار، سيعمل البرنامج على تطوير بوابة وطنية موحدة للخدمات العمومية الرقمية، بما يسمح للمواطنين بإنجاز عدد كبير من الإجراءات الإدارية عن بعد دون الحاجة إلى التنقل إلى الإدارات والمؤسسات العمومية، وهو ما من شأنه تقليص التكاليف والآجال الإدارية وتحسين جودة الخدمات وتعزيز الشفافية والنجاعة في تدبير المرافق العمومية.
كما يتضمن المشروع إحداث “محفظة سيادية وطنية رقمية” مرتبطة بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، تتيح للمواطنين تخزين وثائقهم الرسمية وتبادلها بشكل إلكتروني وآمن، بما يشكل خطوة مهمة نحو بناء هوية رقمية وطنية متكاملة وتعزيز الثقة في المعاملات الرقمية.
ويراهن البرنامج كذلك على تسريع انتقال الإدارات العمومية نحو اعتماد الحوسبة السحابية في تدبير الأنظمة المعلوماتية الجديدة، بهدف الرفع من كفاءة البنيات الرقمية العمومية وتقليص تكاليف التشغيل والصيانة وتحسين أمن البيانات واستمرارية الخدمات الإلكترونية.
وفي الجانب الاقتصادي، يولي المشروع أهمية خاصة لتطوير منظومة الابتكار وريادة الأعمال الرقمية، من خلال تعزيز تمويل الشركات الناشئة وتوسيع آليات دعمها ومواكبتها، فضلا عن تشجيع البحث والتطوير في مجالات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي. كما يتضمن إنشاء مراكز للتميز والابتكار الرقمي بهدف تطوير حلول تكنولوجية جديدة قادرة على دعم تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويستهدف البرنامج أيضا تسريع رقمنة المقاولات المتناهية الصغر والصغرى والمتوسطة، باعتبارها تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي المغربي، عبر توفير التمويلات والحلول الرقمية التي تمكنها من تحسين إنتاجيتها وتوسيع أسواقها ورفع قدرتها التنافسية على المستويين الوطني والدولي.
ومن بين الأهداف الرئيسية للمشروع، المساهمة في خلق فرص شغل جديدة في قطاع ترحيل الخدمات والمهن الرقمية، مع توسيع برامج التكوين والتأهيل لتطوير المهارات الرقمية لدى الشباب. كما يولي اهتماما خاصا لتعزيز مشاركة النساء في الاقتصاد الرقمي وتقليص الفجوة الرقمية بين مختلف الفئات الاجتماعية والمجالية.
وأشار البنك الدولي إلى أن آليات تقاسم المخاطر التي ستواكب تنفيذ البرنامج ستسمح بتعبئة نحو 200 مليون دولار من رؤوس الأموال الخاصة، لتوجيهها نحو تمويل الشركات الناشئة وتسريع التحول الرقمي للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بما يعزز مساهمة القطاع الخاص في تحقيق أهداف الاستراتيجية الرقمية الوطنية.
أما البرنامج الثاني، المتعلق بتمويل المناخ وإدارة المخاطر، والبالغة قيمته 400 مليون دولار، فيندرج ضمن جهود المغرب الرامية إلى تعزيز قدرته على مواجهة التداعيات الاقتصادية والمالية المتزايدة للتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية والتهديدات السيبرانية، في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالجفاف والفيضانات والاختراقات الرقمية التي أصبحت تشكل تحديات حقيقية للاقتصادات الحديثة.
ويهدف هذا البرنامج إلى تطوير منظومة وطنية متكاملة لتدبير المخاطر، من خلال تعزيز آليات التأمين والحماية المالية ضد الكوارث الطبيعية والهجمات السيبرانية، وتوسيع قدرات نقل المخاطر نحو الأسواق المالية وشركات التأمين المتخصصة، بما يحد من الأعباء المالية التي قد تتحملها الدولة والمؤسسات الاقتصادية عند وقوع الأزمات.
كما يتضمن البرنامج تطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، بما يضمن تسريع صرف المساعدات والتمويلات الطارئة بعد وقوع الكوارث أو الأزمات، وتحسين سرعة استجابة المؤسسات العمومية والمالية للظروف الاستثنائية.
وسيعمل المشروع أيضا على تعزيز قدرات الهيئات الرقابية والإشرافية على مستوى القطاع المالي، من أجل تمكينها من رصد ومتابعة المخاطر المناخية والسيبرانية التي تواجه البنوك وشركات التأمين والمؤسسات المالية الأخرى، وضمان جاهزيتها للتعامل مع التهديدات المستقبلية.
وفي جانب الاستثمار المناخي، سيحدث البرنامج مرفقا خاصا لإعداد المشاريع القابلة للتمويل في مجالات الطاقات المتجددة ونجاعة الطاقة والنقل المستدام والبنيات التحتية المائية، بما يمكن من تسريع إنجاز المشاريع ذات الأثر البيئي والاقتصادي الكبير وجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين.
كما سيعتمد البرنامج آليات للتمويل المختلط وأدوات متطورة لسوق الرساميل بهدف تقليص المخاطر المرتبطة بالاستثمارات المناخية، وتشجيع تدفق رؤوس الأموال الخاصة نحو مشاريع البنية التحتية الخضراء على نطاق واسع.
ويتوقع البنك الدولي أن يساهم هذا البرنامج خلال السنوات الخمس المقبلة في تعبئة ما يصل إلى 400 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة، إلى جانب إرساء ترتيبات تمويلية مسبقة لمواجهة الكوارث بقيمة تناهز مليار دولار، فضلا عن توسيع تغطية المخاطر السيبرانية لتشمل ما لا يقل عن 20 مؤسسة مالية، وإطلاق جيل جديد من المشاريع المناخية القادرة على استقطاب التمويل الوطني والدولي.
وأكد أحمدو مصطفى ندياي، مدير دائرة المغرب العربي بالبنك الدولي، أن البرنامجين يعكسان التزام المؤسسة المالية الدولية بمواكبة أولويات المغرب التنموية، مشيرا إلى أنهما يشكلان ركيزة أساسية لبناء اقتصاد رقمي أكثر تنافسية، ومنظومة ابتكار أكثر دينامية، وقدرة مالية أكبر على مواجهة الصدمات والتقلبات المرتبطة بالمناخ والمخاطر السيبرانية.
وأضاف أن التكامل بين البرنامجين سيمكن من إرساء نموذج تنموي أكثر استدامة خلال العقد المقبل، يقوم على تعبئة الاستثمار الخاص، وتحفيز الابتكار، وإحداث فرص الشغل لفائدة الشباب والنساء، وتعزيز مكانة المغرب كوجهة إقليمية للتحول الرقمي والاستثمار في الاقتصاد الأخضر، مع دعم التزاماته الدولية في مجال المناخ والتنمية المستدامة.