26 سنة سجنا نافذا تنهي مشوار عصابة زاوية الشريف بعد تحدي الدرك واستعراض الأسلحة في فيديو صادم

الوكالة

2026-06-12

أنهت المحكمة الابتدائية بالصويرة فصول واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للجدل بالإقليم خلال السنة الجارية، بعدما أصدرت أحكاما صارمة بلغ مجموعها 26 سنة سجنا نافذا في حق أفراد المجموعة الإجرامية المعروفة محليا باسم “عصابة زاوية الشريف”، التابعة للجماعة الترابية أقرمود، والتي اشتهرت بسلوكها العنيف وتحديها العلني لعناصر الدرك الملكي من خلال شريط فيديو انتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وأثار موجة استنكار كبيرة وسط الساكنة.
وجاءت الأحكام القضائية بعد أشهر من الأبحاث الأمنية والتحقيقات القضائية التي كشفت معطيات خطيرة حول أنشطة المجموعة الإجرامية، إذ أدانت المحكمة المتهم الرئيسي بسبع سنوات سجنا نافذا وغرامة مالية، باعتباره العنصر الأكثر تأثيرا داخل الشبكة والمشتبه في وقوفه وراء عدد من الأفعال الإجرامية المنسوبة إليها. كما قضت بست سنوات حبسا نافذا في حق كل واحد من شريكين رئيسيين له، فيما أدين متهم رابع بخمس سنوات سجنا نافذا. أما شقيق المتهم الرئيسي، فقد حكم عليه بسنتين حبسا نافذا مع غرامة مالية، في حين نالت امرأة مرتبطة بالملف حكما بشهر واحد موقوف التنفيذ.
وتعود بداية القضية إلى تداول تسجيل مصور بشكل واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهر فيه عدد من أفراد المجموعة في منطقة قروية نائية وهم يقفون بجانب سيارة سوداء اللون، حاملين أسلحة بيضاء مختلفة الأحجام، بينها سيوف وعصي وأدوات حادة، بينما كانوا يوجهون عبارات التحدي والوعيد والتهديد لعناصر الدرك الملكي في مشاهد وصفت بالاستفزازية والخطيرة، بالنظر إلى ما تحمله من رسائل مباشرة تمس هيبة المؤسسات الأمنية وتوحي باستعداد أصحابها للدخول في مواجهة مع السلطات.
وخلف الشريط المصور حالة استنفار غير مسبوقة داخل مصالح الدرك الملكي بإقليم الصويرة، حيث أعطيت تعليمات عاجلة لفتح تحقيق موسع تحت إشراف النيابة العامة المختصة. وتولت الفرقة السيبرانية مهمة تحليل الفيديو وتتبع مصدره ومكان تصويره وتحديد هوية الأشخاص الظاهرين فيه، مستفيدة من تقنيات التعرف على الصور والمعطيات الرقمية المتاحة.
وكشفت التحريات الأولية أن أفراد المجموعة ارتكبوا خطأ وصفه المحققون بـ”القاتل”، بعدما ظهروا بوجوه مكشوفة بشكل واضح داخل التسجيل، إضافة إلى ظهور لوحة ترقيم السيارة المستعملة في عملية التصوير. ومكنت هذه المعطيات من تحديد هوياتهم في وقت وجيز وربطهم بملفات وقضايا سابقة كانت معروضة على مصالح الدرك والقضاء.
وأظهرت نتائج البحث أن عددا من أفراد العصابة من ذوي السوابق القضائية، ومتورطون في أفعال إجرامية متعددة تتراوح بين الاتجار في المخدرات الصلبة ومخدر الشيرا، وحيازة الأسلحة البيضاء في ظروف تشكل خطرا على الأشخاص، واعتراض سبيل المواطنين باستعمال العنف والتهديد، فضلا عن الاشتباه في تورط بعضهم في عمليات سرقة واعتداءات متفرقة شهدتها المنطقة خلال فترات سابقة.
كما كشفت التحقيقات أن المجموعة نفسها كانت موضوع أبحاث سابقة على خلفية الهجوم على السكن الوظيفي المخصص لعناصر الدرك الملكي بمركز أقرمود، وإلحاق أضرار مادية جسيمة به، إضافة إلى تخريب سيارة المصلحة التابعة لرئيس المركز الترابي للدرك الملكي، في أحداث شكلت آنذاك سابقة خطيرة بالمنطقة واستدعت تدخلا أمنيا وقضائيا مكثفا.
ومع توصل المحققين إلى معلومات دقيقة حول أماكن تحركات أفراد الشبكة، وضعت القيادة الجهوية للدرك الملكي بالصويرة خطة أمنية محكمة للإيقاع بهم. وتم تشكيل فرق مشتركة ضمت عناصر من المراكز الترابية التابعة للدرك الملكي، وعناصر من فرقة التدخل السريع، ووحدات خاصة مدربة على التعامل مع المجرمين الخطرين، إلى جانب تنسيق ميداني مع السلطات المحلية بمختلف المناطق التي يشتبه في تنقل أفراد العصابة بينها.
وبحسب معطيات متطابقة، فقد كانت العملية الأمنية محفوفة بالمخاطر، بسبب توفر معلومات تفيد بأن أفراد المجموعة يتحركون في مناطق وعرة ويستعينون بكلاب شرسة ومدربة على الحراسة والهجوم، كما أنهم معروفون بحمل الأسلحة البيضاء بشكل دائم واستعدادهم لمقاومة عناصر الأمن عند أي محاولة لتوقيفهم.
وأمام هذه المعطيات، تم رفع درجة التأهب واتخاذ احتياطات استثنائية خلال تنفيذ التدخلات الميدانية، بما يضمن سلامة العناصر الأمنية ويحول دون فرار المشتبه فيهم. كما تم إعداد سيناريوهات متعددة للتدخل وفق طبيعة المكان الذي قد يتم العثور عليهم فيه، سواء داخل الغابات أو بالمناطق القروية المعزولة.
وأسفرت المرحلة الأولى من العملية عن نصب كمين محكم بإحدى الغابات الواقعة بضواحي أقرمود، بعد التوصل إلى معلومات دقيقة بشأن وجود عدد من أفراد العصابة بها. ومكنت العملية من توقيف ثلاثة عناصر يعتبرون من بين أخطر أفراد المجموعة، مع حجز السيارة السوداء التي ظهرت في الفيديو المثير للجدل، والتي شكلت أحد أبرز الأدلة التقنية في القضية.
ولم تتوقف العمليات الأمنية عند هذا الحد، إذ واصلت الفرق المختصة أبحاثها الميدانية واستغلال المعلومات التي تم الحصول عليها من الموقوفين، ما قاد إلى تحديد أماكن اختباء باقي المتورطين وتوقيفهم تباعا في عمليات متفرقة، انتهت بتفكيك المجموعة بشكل كامل وإحالة جميع أفرادها على العدالة.
وخلال مراحل التحقيق، تم إخضاع الموقوفين للاستماع التفصيلي، ومواجهتهم بالمحجوزات والتسجيلات المصورة والشهادات والمعطيات التقنية المستخلصة من الهواتف المحمولة ووسائط التواصل الاجتماعي. كما تم التحقق من صلتهم بعدد من الوقائع الإجرامية الأخرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وبعد انتهاء البحث التمهيدي، أحيل المتهمون على النيابة العامة المختصة التي تابعتهم بتهم متعددة، قبل أن تقرر إحالتهم على المحكمة في حالة اعتقال. وشهدت جلسات المحاكمة مناقشة مطولة لمختلف الوقائع والأدلة، حيث قدمت هيئة الدفاع والنيابة العامة مرافعاتها قبل أن تحجز المحكمة الملف للمداولة.
وانتهت القضية بإصدار أحكام بلغ مجموعها 26 سنة سجنا نافذا، في قرار اعتبره متابعون للشأن المحلي رسالة قوية تؤكد تشبث السلطات القضائية والأمنية بمواجهة مظاهر الإجرام المنظم وكل أشكال التهديد الموجهة لمؤسسات الدولة، كما عكس نجاح المقاربة الأمنية المعتمدة في تعقب المجرمين الخطرين وتفكيك الشبكات الإجرامية التي تحاول فرض نفوذها باستعمال العنف والترهيب.

تصنيفات