وهبي يحذر من إفراغ ملتمسات التشريع من مضمونها ويؤكد أنها ليست بديلا عن البرلمان

الوكالة

2026-07-19

حذر وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، من التوجه نحو تبسيط مفرط لشروط وإجراءات تقديم العرائض وملتمسات التشريع، معتبرا أن أي مراجعة لهذه الآليات الدستورية ينبغي أن تحافظ على جديتها وقيمتها القانونية، وألا تؤدي إلى إفراغها من مضمونها أو تحويلها إلى بديل عن المؤسسة التشريعية، التي يظل التشريع من صميم اختصاصاتها الدستورية.

وجاءت تصريحات وهبي خلال اجتماع اللجنة الفرعية المكلفة بتتبع شروط وظروف تطبيق القانونين التنظيميين المتعلقين بتقديم العرائض والملتمسات في مجال التشريع، حيث أكد أن هاتين الآليتين تمثلان أحد أبرز مكاسب دستور 2011 في مجال تكريس الديمقراطية التشاركية، مشيرا إلى أن وزارة العدل أولت هذا الورش أهمية خاصة من خلال إعداد النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة له، ومواكبة تنزيلها على أرض الواقع، فضلا عن تنظيم دورات تكوينية ولقاءات وطنية لفائدة مختلف الفاعلين، وإعداد أدلة مرجعية لتبسيط استعمال هذه الآليات وتعزيز الوعي بها.

وأوضح وزير العدل أن تفعيل العرائض وملتمسات التشريع يحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يترسخ في الممارسة المؤسساتية، مبرزا أن التنصيص عليها في دستور 2011 سبق صدور القوانين التنظيمية المنظمة لها بعدة سنوات، قبل أن يتم تعديل هذه النصوص سنة 2021 لمعالجة عدد من الإكراهات التي كشفت عنها التجربة العملية، وهو ما يجعل هذا الورش، بحسب تعبيره، لا يزال في مرحلة التراكم واكتساب الخبرة.

وسجل وهبي أن محدودية عدد ملتمسات التشريع التي تم تقديمها منذ دخول القوانين التنظيمية حيز التنفيذ لا تعني فشل التجربة، وإنما تعكس حداثة هذه الآليات وحاجتها إلى مزيد من الوقت حتى تصبح ممارسة اعتيادية لدى المواطنين وهيئات المجتمع المدني، مؤكدا أن نجاحها رهين بترسيخ ثقافة المشاركة المواطنة وتعزيز الثقة في المؤسسات.

وشدد المسؤول الحكومي على أن النقاش الدائر حول مراجعة شروط تقديم العرائض والملتمسات يظل مشروعا، غير أنه نبه إلى أن التخفيف من الشروط يجب ألا يمس بالضمانات التي تكفل جدية المبادرات التشريعية، موضحا أن ملتمسات التشريع تمثل استثناء دستوريا يتيح للمواطنين المساهمة في اقتراح النصوص القانونية وفق ضوابط محددة، ولا يمكن أن تتحول إلى آلية تحل محل البرلمان أو تنتقص من اختصاصاته التشريعية.

وأكد الوزير أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحقيق توازن بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، بما يسمح بتوسيع مشاركة المواطنات والمواطنين في إعداد السياسات العمومية وصناعة القرار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المكانة الدستورية للمؤسسة التشريعية واحترام الاختصاصات المخولة لها.

وفي تقييمه للتجربة الحالية، أوضح وهبي أن الواقع أظهر لجوء المواطنين إلى آلية العرائض في الغالب خلال فترات التوترات الاجتماعية أو للدفاع عن مطالب فئوية وقطاعية، معتبرا أن الهدف ينبغي أن يكون تحويل هذه الآلية إلى ممارسة مؤسساتية منتظمة ومستدامة، وليس مجرد وسيلة ظرفية للتفاعل مع الأزمات. وأضاف أن نجاح هذا المسار لا يرتبط فقط بتخفيف المساطر، بل يقتضي أيضا تمكين أصحاب المبادرات من الوقت الكافي لإعداد ملفاتهم واستيفاء الشروط القانونية والتنظيمية المطلوبة.

وفي ما يتعلق بالمجتمع المدني، كشف وزير العدل أن عدد الجمعيات بالمغرب تجاوز 400 ألف جمعية، غير أن نسبة محدودة منها فقط تمارس أنشطة فعلية ومستمرة، وهو ما يفرض، حسب قوله، مواصلة إصلاح الإطار القانوني والتنظيمي المنظم للعمل الجمعوي، وتعزيز آليات الحكامة والشفافية، بما يضمن نجاعة أكبر للديمقراطية التشاركية ويرفع من مردودية أداء الجمعيات.

وفي السياق نفسه، أعلن وهبي أن الحكومة تعمل على إعداد مرسوم جديد يؤطر الشراكات بين الدولة والجمعيات، استنادا إلى توصيات المجلس الأعلى للحسابات، بهدف إرساء قواعد أكثر وضوحا وشفافية في منح الدعم العمومي، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الجمعيات المستوفية للشروط القانونية.

كما أبرز أن إخراج السجل الوطني للجمعيات يشكل ورشا أساسيا لتنظيم النسيج الجمعوي وتوفير قاعدة بيانات دقيقة حول الجمعيات النشيطة، بما يساعد على توجيه السياسات العمومية المرتبطة بالمجتمع المدني، مشيرا إلى أن الوزارة تشتغل، بالتوازي مع ذلك، على تطوير آليات تمويل بديلة لفائدة الجمعيات بشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بما يساهم في تعزيز استقلاليتها ودعم أدوارها التنموية.

وختم وزير العدل مداخلته بالتأكيد على أن الأدلة المرجعية الخاصة بالعرائض وملتمسات التشريع بلغت مراحلها الأخيرة من الطبع، مبرزا أن استكمال المنظومة القانونية والتنظيمية المؤطرة للديمقراطية التشاركية من شأنه أن يعزز حضور المجتمع المدني في تدبير الشأن العام، ويرسخ مشاركة المواطنين في صناعة القرار، بما ينسجم مع التوجهات الدستورية الرامية إلى توسيع فضاءات المشاركة المواطنة وتعزيز الحكامة الجيدة.

تصنيفات