









ومن الأمنيين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. فؤاد السباعي نموذجا
الوكالة
2025-10-25

عبد الكريم الحساني
منذ البدايات الأولى بمدينة كلميم، إلى آخر محطة مهنية له بالدار البيضاء، شكّل مسار العميد الممتاز فؤاد السباعي نموذجا لرجل أمن جمع بين الصرامة المهنية والرؤية الإنسانية في تدبير الشأن الأمني. رحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، عكست التزامًا ثابتًا بقيم الانضباط والمسؤولية، وأرست صورة رجل أمن مؤمن بأن خدمة الوطن تبدأ من إتقان الواجب اليومي في الميدان قبل أي شيء آخر.
ولد فؤاد السباعي في الثاني والعشرين من شتنبر سنة 1963، ونشأ في بيئة محافظة تقدّر العمل والواجب. بعد اجتيازه بنجاح لمباراة مفتشي الشرطة، التحق سنة 1990 بالمعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة، حيث تلقى تكوينًا دقيقًا في مختلف التخصصات الأمنية، قبل أن يُعيّن بمفوضية الشرطة بكلميم. هناك بدأت ملامح جديته وانضباطه تبرز من خلال عمله في مصالح الاستعلامات العامة والأمن العمومي والشرطة القضائية، ما أكسبه خبرة ميدانية مبكرة أهلته لتحمل مسؤوليات أكبر.
في سنة 1993، انتقل إلى العاصمة الاقتصادية ليلتحق بالقسم القضائي الخامس بالحي المحمدي، في مرحلة مفصلية من مساره المهني. عمل في فرقة مكافحة المخدرات ثم في الفرقة الجنائية الأولى، حيث راكم تجربة ميدانية نوعية في مجال البحث والتحري. وخلال تلك الفترة، تم تكليفه بمهام دعم في عدد من المدن المغربية، من بينها العيون، قبل أن يجتاز بنجاح مباراة ضباط الشرطة الخارجيين ويعود إلى الدار البيضاء أكثر خبرة واستعدادًا للمسؤولية.
لم يكتف العميد السباعي بالتجربة الميدانية، بل واصل تكوينه الأكاديمي إلى أن حصل سنة 1996 على الإجازة في القانون الخاص. جمع بذلك بين الفهم القانوني والدقة الإجرائية، وهو ما انعكس إيجابًا على أدائه في مختلف المهام التي تقلدها. اشتغل في الفرقة السياحية لأمن أنفا، ثم بالدائرة الثالثة (حاليًا دائرة الروداني)، حيث تولى مهام نائب الرئيس قبل أن يترأسها بعد ترقيته إلى رتبة عميد شرطة. لاحقًا أشرف على عدد من الدوائر الأمنية التابعة للأمن العمومي بولاية أمن أنفا، من بينها الدائرة الخامسة ببنجدية والحادية عشرة بباشكو، حيث عُرف بانضباطه وحكمته في التسيير.
سنة 2010، أسندت إليه رئاسة مصلحة حوادث السير غاندي، وهي مسؤولية جديدة أبان فيها عن حس تنظيمي رفيع. وكان اول عميد شرطة تلقى تكوين اكاديمي لهده المهمة مما مكنه من المساهنة في إرساء منهجية عمل حديثة وتطوير طرق المعالجة الميدانية، مع الحرص على تكوين الأطر الجديدة وتحسين جودة الخدمة الأمنية المقدمة للمواطنين. وتوالت بعد ذلك مهامه بمصالح حوادث السير بنجدية والطريق السيار الداخلي، مؤكداً أن تدبير الأمن في هذا المجال لا يقتصر على المراقبة والزجر، بل يستدعي فهماً عميقاً للسلوك الإنساني في لحظات الخطر والتوتر. وقد واصل تكوينه الأكاديمي ليحصل على إجازتين إضافيتين في الدراسات الإنسانية وعلم النفس، ما منح رؤيته المهنية بعداً إنسانياً واضحاً.
عرفت مسيرته كذلك محطات ميدانية صعبة، من أبرزها مشاركته ضمن الفرق التي تعاملت مع تداعيات أحداث السادس عشر من ماي سنة 2003 بالدار البيضاء. كان حينها من بين أوائل رجال الأمن الذين هرعوا إلى مواقع الانفجارات، وساهم في تنسيق التدخلات وتأمين محيط القنصلية البلجيكية بعد الانفجار الثاني. تلك اللحظات التي ستظل راسخة في ذاكرته جسّدت ما يعنيه الواجب الوطني في لحظات الخطر، حين يكون رجل الأمن في الصفوف الأولى دفاعًا عن الوطن والمواطنين.
وفي سنة 2019، تُوّج مساره المهني بتعيينه رئيسًا لدائرة الشرطة مردوخ التابعة لمنطقة الفداء مرس السلطان، حيث واصل أداءه المتميز إلى حين إحالته على التقاعد. عرف خلال هذه المرحلة بانفتاحه على الساكنة وتواصله الإيجابي مع الفاعلين المحليين، دون التفريط في الصرامة اللازمة لتطبيق القانون. كان قريباً من المواطنين، يستمع بإنصات ويقرر بحزم، مؤمناً بأن العدالة تبدأ بالإنصات قبل القرار.
بعد أكثر من ثلاثين سنة من الخدمة، غادر العميد الممتاز فؤاد السباعي ميدان العمل الرسمي، تاركًا خلفه مسارًا حافلاً بالعطاء والانضباط. اسمه ظل مرتبطًا بثقافة الواجب والالتزام الأخلاقي، وبأسلوب هادئ يجمع بين الانضباط والحس الإنساني. وبين أروقة الأمن الوطني، يظل فؤاد السباعي من الأسماء التي تجسد الجيل الذي نذر حياته لخدمة الوطن، في صمت ونكران ذات، مخلصًا لشعار “الله، الوطن، الملك”.




