هل يعاقب القانون الرحمة بالحيوانات الضالة

الوكالة

2026-09-09

سلمى مخلص

أثار النقاش الدائر حول القانون الجديد المتعلق بالحيوانات الضالة جدلاً واسعاً بشأن عدد من المقتضيات المرتبطة بكيفية التعامل مع هذه الحيوانات في الفضاءات العامة، لاسيما ما يتعلق بالغرامات المفروضة على إطعامها بشكل عشوائي، وهي مسألة تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول التوازن المطلوب بين حماية سلامة المواطنين والتعامل الإنساني مع الحيوانات.

ولا خلاف في أن ظاهرة الحيوانات الضالة أصبحت تشكل تحدياً حقيقياً في عدد من المدن والمناطق، خاصة عندما يتعلق الأمر بالكلاب التي قد تكون مصابة بأمراض أو تشكل خطراً على المارة، ما يجعل تدخل السلطات أمراً ضرورياً لحماية المواطنين وضمان سلامتهم في الفضاءات العامة.

غير أن الإشكال، وفق هذا الطرح، يكمن في الطريقة التي يتم بها التعامل مع الأشخاص الذين يحاولون مساعدة هذه الحيوانات، من خلال تقديم الطعام لها، إذ يطرح ذلك سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان هؤلاء الأشخاص يمثلون فعلاً جزءاً من المشكلة، أم أنهم في كثير من الحالات مجرد مواطنين تحركهم دوافع إنسانية تجاه حيوانات جائعة أو مريضة.

فالشخص الذي يضع بعض الطعام أمام قطة أو كلب في الشارع لم يصنع ظاهرة الحيوانات الضالة، ولم يتسبب في انتشارها أو تكاثرها، وإنما يجد نفسه أمام كائن حي يحتاج إلى الغذاء، فيختار مساعدته عوض تجاهله. ومع ذلك، فإن الإطعام العشوائي قد تكون له بالفعل انعكاسات سلبية، من خلال جذب أعداد من الحيوانات إلى أماكن محددة، والتسبب في مشاكل مرتبطة بالنظافة أو السلامة، وهو ما يجعل تنظيم هذه الممارسة أمراً مفهوماً، لكن دون أن يتحول التنظيم إلى تجريم لفعل الرحمة في حد ذاته.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة قائمة إلى حلول وسط تسمح بتنظيم عمليات إطعام الحيوانات الضالة، من خلال تخصيص أماكن محددة لهذا الغرض، وفرض شروط تتعلق بالنظافة والسلامة، مع إشراك الجمعيات والمتطوعين والأشخاص الذين ينشطون في هذا المجال، بدل إقصائهم أو التعامل معهم باعتبارهم جزءاً من المشكلة.

فالحيوان الذي لن يجد الطعام اليوم بسبب خوف أحد المواطنين من الغرامة لن يختفي من الشارع في اليوم الموالي، بل سيظل يبحث عن مصادر أخرى للغذاء، وقد يؤدي ذلك إلى اقترابه من المناطق السكنية والأسواق والمطاعم، في وقت ستستمر فيه ظاهرة التكاثر ما لم تتم معالجة جذورها.

لذلك، فإن معالجة ملف الحيوانات الضالة تقتضي اعتماد مقاربة شاملة لا تقتصر على الغرامات والمنع، وإنما تشمل عمليات التلقيح والتعقيم والرعاية البيطرية والتتبع والتبني، إلى جانب تنظيم حملات لجمع الحيوانات ومعالجة الحالات المريضة أو التي تشكل خطراً على المواطنين.

كما أن إشراك المجتمع المدني والمتطوعين يمكن أن يشكل جزءاً أساسياً من أي سياسة ناجعة في هذا المجال، خصوصاً أن عدداً من المواطنين والجمعيات يبادرون، بإمكاناتهم الخاصة، إلى إطعام الحيوانات وعلاجها والعناية بها، وهو جهد يمكن تأطيره وتنظيمه والتنسيق بشأنه مع الجهات المختصة، بدل دفع أصحابه إلى التوقف عن المساعدة خوفاً من العقوبة.

ولا يعني الدفاع عن حق الحيوانات في الرعاية بأي حال من الأحوال تجاهل حق المواطنين في الأمن والسلامة، كما لا يمكن تبرير الممارسات العشوائية التي قد تتسبب في اتساخ الفضاءات العامة أو تجمع الحيوانات بشكل يشكل خطراً على المارة. غير أن الفرق يظل قائماً بين وضع قواعد واضحة لتنظيم الإطعام وبين معاقبة مواطن لمجرد أنه حاول إنقاذ حيوان جائع.

فالمشكلة الأساسية لا تكمن في قطعة خبز يقدمها مواطن لقطة أو كلب، وإنما في ظاهرة الحيوانات الضالة التي أصبحت تحتاج إلى معالجة جذرية ومستدامة، تقوم على الوقاية والتعقيم والتلقيح والتبني والتكفل بالحالات الخطيرة، إلى جانب تعزيز المسؤولية في التعامل مع الحيوانات.

وفي نهاية المطاف، فإن حماية الإنسان واحترام الحيوان ليسا هدفين متعارضين، بل يمكن تحقيقهما في إطار سياسة واضحة ومتوازنة. المطلوب هو قانون يحمي المجتمع ويضمن سلامة المواطنين، وفي الوقت نفسه يتيح تنظيم المبادرات الإنسانية وتحويلها إلى جهود مؤطرة ومسؤولة.

فالرحمة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن القانون، كما لا ينبغي للقانون أن يتحول إلى عائق أمام الرحمة، وإنما المطلوب هو إيجاد صيغة تجعل حماية المجتمع والعناية بالحيوان مسؤولية مشتركة، وتعالج أصل الظاهرة بدل الاكتفاء بمعاقبة بعض مظاهرها.

تصنيفات