









من يمنع تسليم وصل الإيداع بزاكورة..؟ شكايات تثير الجدل بعمالة الإقليم
الوكالة
2026-07-27

محمد البشيري
تحول ملف رفض تسليم وصل الإيداع (Accusé de réception) بعدد من الإدارات العمومية بإقليم زاكورة عموماً، وبمكتب الضبط بعمالة زاكورة على وجه الخصوص، إلى واحد من أكثر المواضيع إثارة للنقاش بين المواطنين والفاعلين الجمعويين والحقوقيين، في ظل توالي الشكايات التي توصلت بها الجريدة، والتي تكشف، وفق أصحابها، عن معاناة متكررة مع عدد من المصالح الإدارية كلما تعلق الأمر بإيداع شكاية أو طلب أو تظلم.
وخلال الأشهر الأخيرة، توصلت الجريدة بعشرات الرسائل والشكايات من مواطنين ينتمون إلى مختلف جماعات الإقليم، يؤكدون أنهم اصطدموا برفض تسليمهم وصلاً يثبت إيداع ملفاتهم، سواء لدى بعض مصالح عمالة إقليم زاكورة أو بعض القيادات والباشويات والإدارات العمومية الأخرى.
كما تتوفر الجريدة على نسخ من عدد من الشكايات والطلبات والتظلمات التي سبق لأصحابها إيداعها لدى مكاتب الضبط بعمالة إقليم زاكورة، وكذا ببعض القيادات والإدارات العمومية الأخرى. ووفق ما صرح به أصحابها، فإنهم لم يتوصلوا بنسخ تحمل خاتم وتاريخ الإيداع أو أي وثيقة تثبت تسلم الإدارة لمراسلاتهم، رغم طلبهم ذلك عند الإيداع. ويرى أصحاب هذه الشكايات أن غياب ما يثبت الإيداع يحرمهم من وسيلة قانونية لإثبات تاريخ تقديم طلباتهم وتتبع مآلها داخل الإدارة.
ويروي أصحاب هذه الشكايات أن طلبهم الحصول على وثيقة تثبت إيداع مراسلاتهم كان يقابل، في عدد من الحالات، بجواب واحد يتكرر على ألسنة موظفين بكتابات الضبط: “لا نسلم وصل الإيداع”. كما أكد عدد من المشتكين للجريدة أن بعض الموظفين أخبروهم بأن هذا الإجراء يتم بناء على تعليمات. وإلى حدود نشر هذا المقال، لم تتوصل الجريدة بأي وثيقة أو قرار إداري رسمي يؤكد صحة ما يتم تداوله، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى توضيح رسمي من الجهات المعنية لوضع حد لهذا الجدل.
ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة بالنظر إلى أن وصل الإيداع لا يعد مجرد ورقة إدارية، بل يمثل وسيلة لإثبات تاريخ إيداع الشكايات والطلبات والتظلمات، ويحفظ حقوق المرتفقين، ويمكنهم من تتبع ملفاتهم داخل الإدارة، كما يعزز مبادئ الشفافية والثقة في المرفق العمومي.
وتزداد أهمية وصل الإيداع بالنظر إلى المقتضيات التي جاء بها القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، والذي ألزم الإدارات العمومية بتسليم المرتفق وصلاً فورياً يثبت إيداع طلبه أو ملفه الإداري، باعتباره وثيقة قانونية تثبت تاريخ الإيداع، وتحدد بداية احتساب الآجال القانونية لمعالجة الطلبات، وتحفظ حقوق المرتفق في مواجهة الإدارة. ويعد هذا الوصل إحدى الآليات التي جاء بها المشرع لتكريس مبادئ الشفافية، وتبسيط العلاقة بين الإدارة والمواطن، وضمان الأمن القانوني والإداري.
ولا تقتصر أهمية وصل الإيداع على الجانب الإداري فحسب، بل تمتد إلى حماية أحد أهم الحقوق الدستورية، وهو الحق في التقاضي. فعدم تمكين المرتفق من هذه الوثيقة قد يجعل من الصعوبة بمكان ممارسة حقه في اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في القرارات الإدارية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقرار الإداري الضمني الناتج عن سكوت الإدارة عن الجواب داخل الآجال القانونية. ففي هذه الحالة، يصبح المرتفق مطالباً بإثبات أنه سبق له إيداع طلب أو شكاية أو تظلم لدى الإدارة، وهو أمر قد يتعذر في غياب أي وثيقة تثبت ذلك، مما قد يترتب عنه الحكم بعدم قبول الدعوى لغياب ما يثبت تاريخ إيداع الطلب أو التظلم، وبالتالي حرمانه عملياً من ممارسة حقه في مخاصمة القرار الإداري، سواء تعلق الأمر بقرار إداري صريح أو بقرار إداري ضمني ناتج عن سكوت الإدارة.
ويثير استمرار هذه الشكايات تساؤلات حول مدى انسجام هذه الممارسات مع روح القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، الذي يهدف إلى تبسيط العلاقة بين الإدارة والمرتفق، وتحسين جودة الخدمات الإدارية، وتكريس مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة، خاصة وأن مقتضياته تنص على إلزامية تسليم وصل إيداع فوري للمرتفق عند تقديم أي طلب أو ملف للإدارة، بما يضمن حماية حقوقه القانونية، وتحديد آجال معالجة الطلبات والرد عليها.
كما أن سكوت الإدارة عن الجواب داخل الآجال القانونية قد يرتب، في الحالات التي ينص عليها القانون، نشوء قرار إداري ضمني بالرفض، وهو ما يجعل وصل الإيداع الوسيلة الأساسية لإثبات تاريخ تقديم الطلب أو التظلم واحتساب الآجال القانونية. ويكتسي ذلك أهمية خاصة عند مباشرة دعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري، باعتبار أن إثبات تاريخ الإيداع يعد عنصراً جوهرياً في ممارسة هذا الحق، وتمكين المتقاضي من مخاصمة القرار الإداري، سواء كان صريحاً أو ضمنياً، وفق المقتضيات القانونية المنظمة للمنازعات الإدارية.
كما ينص الفصل 154 من دستور المملكة على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، فيما يؤكد الفصل 156 أن المرافق العمومية توجد في خدمة المواطنات والمواطنين والمرتفقين، وتعمل على ضمان المساواة في الاستفادة من خدماتها والاستمرارية في أدائها.
ويرى عدد من الفاعلين الجمعويين والحقوقيين أن هذه الشكايات، إذا ثبتت صحتها، تستوجب الوقوف عندها بكل جدية، لأنها تمس العلاقة اليومية بين المواطن والإدارة، وتؤثر على مستوى الثقة في المرفق العمومي، كما قد تنعكس على قدرة المرتفقين على حماية حقوقهم وممارسة حقهم الدستوري في التقاضي، داعين إلى توحيد الإجراءات الإدارية بما يضمن احترام حقوق جميع المرتفقين، والتقيد الصارم بالمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.
وتؤكد الجريدة أن إثارة هذا الموضوع لا تستهدف أي مؤسسة أو مسؤول، وإنما تأتي في إطار رسالتها الإعلامية الرامية إلى نقل انشغالات المواطنين، وإتاحة الفرصة أمام الجهات المختصة لتوضيح الحقائق، انسجاماً مع مبادئ الصحافة المهنية القائمة على التحري والدقة واحترام حق الرد.
وفي هذا السياق، يناشد المواطنون والفعاليات الجمعوية والحقوقية السيد محمد علمي ودان، عامل إقليم زاكورة، التدخل للوقوف على حقيقة هذه الشكايات، وفتح تحقيق إداري للتأكد من مدى احترام مختلف الإدارات والمصالح العمومية للمقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لاستقبال طلبات وشكايات المرتفقين، ولاسيما تلك المتعلقة بإلزامية تسليم وصل الإيداع، وإصدار ما يلزم من توجيهات وتوضيحات من شأنها تعزيز الثقة في الإدارة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما ينسجم مع دستور المملكة والقوانين الجاري بها العمل، ويكرس إدارة عمومية في خدمة المواطن وسيادة القانون.
تؤكد وكالة الأنباء أن بابها يظل مفتوحًا لكل الجهات المعنية، سواء للرد أو التوضيح أو التصحيح، وفقًا لما تمليه قواعد الصحافة الجادة والمسؤولة. ونحن مستعدون لنشر أي توضيحات رسمية، في احترام تام لحق المواطن في المعلومة، ولمبدأ التوازن والحياد




