من يتحكم في الانتخابات بالمغرب

الوكالة

2026-08-29

مراد مزراني

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتجدد النقاش حول حقيقة الجهة التي تتحكم فعلياً في مسار الانتخابات بالمغرب، في ظل تعدد المتدخلين في المشهد السياسي، بين الناخب والأحزاب والمرشحين، والمال الانتخابي والنفوذ المحلي وشبكات المصالح، وهي عناصر يبدأ تأثير بعضها قبل وقت طويل من فتح صناديق الاقتراع.

ومن الناحية القانونية، يظل الناخب صاحب الكلمة الفصل، باعتبار صوته أساس تشكيل المؤسسات المنتخبة، غير أن العملية الانتخابية لا تختزل في يوم التصويت، إذ تسبقها مراحل حاسمة تتعلق باختيار المرشحين، وإعداد اللوائح، وبناء التحالفات، وتعبئة القواعد الانتخابية، وتنظيم الحملات، فضلاً عن الحضور الميداني والقدرة على التواصل المباشر مع المواطنين.

وتتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية مركزية في هذه العملية، باعتبارها الجهة التي تختار المرشحين وتقدمهم للناخبين، وتصوغ البرامج والخطاب الانتخابي، وتحدد أولويات الحملات وتنسج التحالفات والامتدادات المحلية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بالمعايير التي تحكم عملية اختيار المرشحين، وما إذا كانت الكفاءة والقدرة على تدبير الشأن العام تتقدم فعلاً على اعتبارات القوة الانتخابية والقدرة على استقطاب الأصوات.

ويظل المال الانتخابي من أكثر الملفات حساسية، خصوصاً عندما تتحول المنافسة السياسية من الترويج للبرامج إلى تقديم خدمات أو منافع أو هدايا أو وعود شخصية بهدف التأثير في اختيارات الناخبين. فمثل هذه الممارسات، متى ثبتت، لا تؤثر فقط في نزاهة المنافسة، وإنما تهدد بتحويل العلاقة بين المرشح والناخب إلى علاقة زبونية، يصبح فيها الصوت الانتخابي مرتبطاً بالمصلحة الآنية بدل الاقتناع بالبرنامج والكفاءة.

كما يفرض العامل المحلي نفسه بقوة في عدد من الدوائر، إذ لا تحسم المنافسة دائماً بالشعارات والبرامج الوطنية، وإنما بمدى حضور المرشح داخل الأحياء والدواوير والجماعات، وبقوة شبكات العلاقات الاجتماعية والتنظيمية التي راكمها على مدى سنوات. ويمنح هذا المعطى بعض المرشحين قدرة أكبر على التعبئة والوصول إلى الناخبين، خصوصاً في المناطق التي تلعب فيها العلاقات المحلية دوراً مؤثراً في تحديد الاختيارات.

لكن اختزال المسؤولية في الأحزاب والمرشحين وحدهم لا يعكس كامل الصورة، لأن الناخب بدوره يشكل طرفاً أساسياً في المعادلة. فالمواطن الذي ينتقد الفساد السياسي وضعف الخدمات، ثم يعيد التصويت للمنتخب نفسه دون مساءلته عن حصيلته، يساهم في استمرار الوضع القائم، ويمنح شرعية انتخابية لوجوه وممارسات قد يكون قد انتقدها خارج صناديق الاقتراع.

فالناخب ليس مجرد رقم انتخابي تتم تعبئته خلال فترة الحملة، كما أن الانتخابات ليست مناسبة موسمية لتوزيع الوعود والتقاط الصور، وإنما وسيلة لاختيار من سيتولى تدبير الشأن العام، وممارسة حق المحاسبة وتغيير موازين القوة داخل المؤسسات المنتخبة.

وفي المقابل، فإن دور الإدارة يقتضي التعامل معه بمنطق قانوني ومؤسساتي، باعتبار أن مهمتها تتمثل في تنظيم العملية الانتخابية والسهر على احترام القواعد والضوابط وضمان سلامة الاقتراع وتكافؤ الفرص. ولذلك فإن الحديث عن وجود جهة محددة تتحكم في نتائج الانتخابات يظل ادعاء يحتاج إلى أدلة ومعطيات موثوقة، ولا يمكن أن يستند إلى الإشاعات أو الاتهامات غير المثبتة.

ومن هنا، فإن الأسئلة التي تستحق النقاش لا تتوقف عند عبارة «من يتحكم في الانتخابات؟»، بل تمتد إلى معرفة الجهة التي تتحكم في اختيار المرشحين، ومصادر تمويل الحملات، وفعالية آليات مراقبة الإنفاق الانتخابي، ومدى قدرة المؤسسات والناخبين على محاسبة المنتخبين بعد وصولهم إلى مواقع المسؤولية، فضلاً عن تفسير استمرار بعض الوجوه في العودة إلى الواجهة رغم محدودية حصيلتها.

فالانتخابات قد لا تتعرض للتأثير فقط داخل مكاتب التصويت، وإنما قد يبدأ التأثير قبل ذلك بكثير، عندما تتحول المنافسة إلى صراع بين المال والنفوذ وشبكات المصالح، ويصبح البرنامج الانتخابي أقل حضوراً من القدرة على التعبئة واستقطاب الأصوات.

وفي النهاية، يظل صندوق الاقتراع هو الحكم، لكن نزاهة الصندوق لا تكتمل إلا بنزاهة الطريق المؤدي إليه. فالمطلوب ليس انتخابات تفرز فائزين فقط، وإنما استحقاقات تفرز مسؤولين يمتلكون الشرعية والكفاءة، وقابلين للمساءلة والمحاسبة أمام المواطنين.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للاستحقاقات المقبلة، ليس فقط من سيفوز في صناديق الاقتراع، وإنما ما إذا كان الناخب سيظل سيد قراره، وما إذا كانت المنافسة ستدور حول البرامج والكفاءة والحصيلة، أم ستظل رهينة المال والنفوذ والشبكات التي تبدأ تحركها قبل أن تفتح صناديق الاقتراع

تصنيفات