من رؤية محمد السادس تولد السياسة.. لا من رد الفعل

الوكالة

2025-10-20

ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بالقصر الملكي بالرباط، أمس الأحد، مجلسا وزاريا حمل في طياته تأكيدا جديدا على أن المغرب لا يشتغل بمنطق رد الفعل، بل بمنهج الرؤية المتبصرة والتخطيط الاستباقي. فقد أصبحت السياسة الملكية، بما تتسم به من حكامة وتبصر، مدرسة في تدبير شؤون الدولة على قاعدة التوقع والنجاعة، لا على ردود الأفعال العابرة أو الحلول الظرفية.

لقد شكل التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2026 دليلا إضافيا على أن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالمغرب تستند إلى رؤية ملكية استراتيجية، تؤمن بأن التنمية لا تبنى بالقرارات اللحظية، وإنما بالتخطيط البعيد المدى. فالمغرب، رغم التقلبات الدولية وتحديات الاقتصاد العالمي، يواصل الحفاظ على توازنه المالي والاجتماعي، بفضل سياسة الملك التي جعلت من التحكم في التضخم والعجز المالي قاعدة للاستقرار ورافعة للاستثمار المنتج.

المجلس الوزاري الأخير لم يكن محطة تقنية فحسب، بل محطة سيادية أفرزت ملامح الجيل الجديد من أوراش الإصلاح الوطني. فمشروع قانون المالية جاء ترجمة عملية لمفهوم “المغرب الصاعد” الذي أراده جلالة الملك عنوانا لمرحلة جديدة من البناء الاقتصادي والاجتماعي، تقوم على تحفيز الاستثمار الخاص، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتسريع الانتقال نحو اقتصاد المعرفة والطاقات النظيفة، خاصة عبر عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر.

كما برزت في هذا المجلس إرادة ملكية واضحة لتكريس العدالة المجالية، وإطلاق برامج تنمية مندمجة تعيد الاعتبار للمناطق الهشة والجبلية والواحات، وتربط بين التنمية الترابية والكرامة الاجتماعية، في انسجام تام مع مبادئ الجهوية المتقدمة. وفي صلب هذه الرؤية، يبرز الرهان الملكي على الرأسمال البشري، من خلال تخصيص غلاف مالي غير مسبوق لقطاعي الصحة والتعليم يناهز 140 مليار درهم، وإحداث 27 ألف منصب مالي جديد، في إشارة إلى أن الاستثمار في الإنسان هو الضمانة الحقيقية لاستمرار الدولة الاجتماعية التي دعا إليها جلالته.

الجانب السياسي للمجلس الوزاري لم يقل أهمية عن الشق الاقتصادي، إذ تميز بالمصادقة على مشاريع قوانين تنظيمية تهم مجلس النواب والأحزاب السياسية، في خطوة إصلاحية تهدف إلى تخليق الحياة العامة وتجديد النخب، وتعزيز المشاركة السياسية للشباب والنساء. فالمغرب اليوم يسير نحو مشهد سياسي أكثر مصداقية وشفافية، حيث لم يعد الولوج إلى المؤسسة التشريعية أو تدبير المال الحزبي رهينا بالمظاهر، بل بضوابط أخلاقية ومؤسساتية تضع الكفاءة والمسؤولية فوق كل اعتبار.

أما التعديلات الخاصة بالمحكمة الدستورية وآليات الدفع بعدم الدستورية، فتؤكد أن ورش ترسيخ دولة القانون يتواصل بخطى ثابتة، في انسجام مع رؤية ملكية تعتبر العدالة الدستورية الضامن الأساس لحماية الحقوق والحريات وصون التوازن بين السلط.

كما جسد المجلس حرص الملك، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، على تحديث المنظومة الدفاعية والأمن السيبراني، عبر المصادقة على مراسيم تخص موظفي المديرية العامة لأمن نظم المعلومات والمدرسة الملكية لمصلحة الصحة العسكرية، بما يرسخ السيادة الرقمية للمملكة ويكرس الربط بين الأمن والدفاع والبحث العلمي.

ولم تغب الدبلوماسية الملكية عن هذا الاجتماع، إذ صادق المجلس على 14 اتفاقية دولية جديدة، تجسد تنويع شراكات المغرب وتعزيز حضوره القاري والدولي، بما يتماشى مع التوجه الملكي الرامي إلى جعل المملكة قطبا إفريقيا فاعلا ومؤثرا.

أما التعيينات الجديدة في سلك الولاة والعمال، فقد عكست روح التجديد التي يحرص عليها جلالة الملك في تدبير الشأن الترابي، وتفعيل المفهوم الجديد للسلطة القائم على القرب والمحاسبة والنجاعة، في أفق تنزيل متقدم للجهوية الموسعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن المجلس الوزاري الأخير لم يكن مجرد اجتماع حكومي في حضرة جلالة الملك، بل لحظة سيادية كبرى عكست تماسك الدولة المغربية ووضوح رؤيتها، وأكدت مرة أخرى أن المغرب يختار الرؤية بدل رد الفعل، ويؤمن بأن قوة الدولة تكمن في قدرتها على الاستباق والتخطيط، لا في انتظار الأزمات لمعالجتها. فهذه هي مدرسة الملك محمد السادس: سياسة تقوم على الرؤية، ومغرب يسير بثقة نحو المستقبل.

تصنيفات