









منذ 1971… لماذا لم تغفر الجزائر للإمارات خيار الدولة؟
الوكالة
2026-02-11

انطلاقا من حقيقة باتت راسخة في الوعي السياسي العربي، فإن عداء الجزائر للإمارات العربية المتحدة ليس وليد السنوات الأخيرة ولا نتاج خلافات ظرفية، بل هو موقف قديم متجذر، سابق حتى على الإعلان الرسمي عن قيام الاتحاد الإماراتي. عداء تشكل في ذهن النظام الجزائري منذ اللحظة التي قررت فيها الإمارات أن تسلك طريق الدولة، لا طريق الشعارات، وأن تبني اتحادا ناجحا خارج القوالب الإيديولوجية التي كانت الجزائر تعتبر نفسها وصية عليها.
عندما ولدت دولة الإمارات سنة 1971، لم تتعامل الجزائر مع هذا الحدث باعتباره إنجازا وحدويا عربيا يحتفى به، بل نظرت إليه بعين الريبة والرفض الضمني، لأنه لم يمر عبر منطق الثورة ولا عبر بوابة الأنظمة التي نصبت نفسها حكما على الشرعية العربية. في ذلك الزمن، كان النظام الجزائري يرى في الملكيات الخليجية نقيضا لمشروعه الإيديولوجي، لا شركاء في بناء عالم عربي متوازن. ومن هنا بدأ العداء، لا كرد فعل، بل كخيار سياسي واع.
هذا العداء تجلى بوضوح في أول امتحان سيادي واجهته الإمارات، حين تعرضت أراضيها للاحتلال الإيراني. في تلك اللحظة، لم تقف الجزائر إلى جانب الحق الإماراتي، ولم تدافع عن السيادة العربية، بل اختارت الصمت حين كان الكلام واجبا، ثم مالت لاحقا إلى مواقف تفهم سياسيا على أنها انحياز لإيران على حساب دولة عربية ناشئة. وفي منطق السياسة، الصمت في قضايا السيادة ليس حيادا، بل موقف، وغالبا ما يكون موقفا عدائيا مقنعا.
في المقابل، برز المغرب، بقيادة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، رحمه الله، كدولة تقرأ التحولات بعين رجل دولة لا بعقلية العقيدة. الحسن الثاني فهم مبكرا أن الإمارات ليست كيانا عابرا، بل دولة سيادة، وأن الاتحاد الذي اختارته هو صيغة عربية ذكية للاستقرار في منطقة مضطربة. لذلك لم يتردد في دعم الإمارات سياسيا ودبلوماسيا، والتعامل معها كدولة كاملة الشرعية والوزن، في وقت كان فيه آخرون يشككون أو يتربصون.

هذا التقاطع في الرؤية لم يكن أحادي الاتجاه. فعندما خاض المغرب معركته السلمية الكبرى عبر المسيرة الخضراء سنة 1975، وجدت الرباط إلى جانبها دولة الإمارات، التي لم تختبئ خلف حداثة تجربتها، بل أعلنت دعمها الواضح لوحدة المغرب الترابية. وبمبادرة من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عبرت الإمارات عن انخراطها السياسي والمعنوي في هذه الملحمة التاريخية، في موقف لا يقرأ إلا باعتباره اصطفافا واعيًا إلى جانب الشرعية والاستقرار.
هنا تتضح الصورة كاملة: المغرب والإمارات التقيا على منطق الدولة، وعلى احترام السيادة، وعلى دعم المشاريع الوحدوية الواقعية، لا الشعارات الفارغة. في المقابل، اختارت الجزائر أن تعادي هذا المسار منذ بدايته، فخاصمت الاتحاد الإماراتي لأنه ناجح، وناصبت المغرب العداء لأنه اختار حلا سلميا وذكيا لقضاياه الوطنية، ووجدت في دعم مشاريع التفكيك والانفصال امتدادًا طبيعيًا لعقيدتها السياسية.
اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة عقود، لا يمكن اختزال التوتر بين الجزائر والإمارات في مواقف إعلامية طارئة أو تصريحات عابرة. نحن أمام عداء قديم، بنيوي، وممتد، بدأ قبل التأسيس، واستمر عبر الاصطفاف ضد السيادة، ويتجدد كلما التقت الرباط وأبوظبي على موقف استراتيجي. وفي السياسة، لا تقاس العلاقات بعدد البيانات، بل بذاكرة المواقف، وتلك الذاكرة تقول بوضوح إن المغرب والإمارات كانا، ولا يزالان، عينين في رأس واحد، بينما اختارت الجزائر، منذ البداية، الوقوف في الضفة الخطأ من التاريخ.
يتبع…




