









ملتمس الرقابة.. حلم المعارضة المُجهض قبل الولادة
الوكالة
2025-05-23

الهدهد
لعل المتتبع للشأن السياسي يلمس خفوت صوت المعارضة التي لم تعد تهز أركان مجلس النواب والمستشارين، ولا تحرك هواجس الأغلبية، ولا تزرع الخوف في صفوفها من كل إجراء تتخذه، ولو لم يكن في صالح المواطن المقهور من سياستها. فقد أضحت المعارضة معارضةً لنفسها، لا تستطيع الالتفاف حول موقف موحد تفعل به المقتضيات الدستورية الممنوحة لها.
وقد ظهر هذا جلياً حين اختلفت مكونات المعارضة حول أولوية تقديم ملتمس الرقابة أمام البرلمان، كآلية دستورية من شأنها أن تمنع الحكومة من مواصلة مهامها بعد تصويت الأغلبية المطلقة من أعضاء مجلس النواب، أي ما لا يقل عن 198 نائباً ونائبة.
وقبل مرحلة التصويت، لا يُصبح هذا المعطى الدستوري قانونياً إلا بعد توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب على الملتمس، أي ما لا يقل عن 79 نائباً ونائبة. وهذا الرقم كان من الممكن بلوغه بتوافق مكونات المعارضة، حسب عدد المقاعد التي حصلت عليها في انتخابات 8 شتنبر 2021، والتي جاءت موزعة على الشكل التالي:
- المعارضة الاتحادية: 35 مقعداً
- الحركة الشعبية: 29 مقعداً
- التقدم والاشتراكية: 21 مقعداً
- المجموعة النيابية للعدالة والتنمية: 13 مقعداً
مما يمنح هذه الأحزاب أحقية تقديم ملتمس الرقابة دون الحاجة لدعم حزب الاتحاد الدستوري المصطفّ بجانب الأغلبية والحاصل على 18 مقعداً، وكذلك دون حاجة للنواب غير المنتسبين وعددهم 10.
أمام هذه الإمكانيات العددية، كان بالإمكان أن نكون أمام حدث سياسي واستحقاق ديمقراطي يعيد جزءاً من البريق للحياة السياسية، ويسهم في كسر حالة الركود التي نخرت العمل الحزبي، وزادت من فقدان الثقة فيه.
إلا أن اختلاف مكونات المعارضة وإجهاضها لفكرة ملتمس الرقابة لم يكن في الجوهر أو المضمون، بقدر ما كان خلافاً حول من سيحظى بشرف التقديم و”سرقة” أضواء الكاميرات وعدسات الصحافيين. فحتى وإن لم تنجح الملتمسات الرقابية السابقة في إسقاط الحكومات، إلا أنها كانت تشكل فعلاً سياسياً محموداً، واختباراً حقيقياً لقدرة الفاعل السياسي على المواجهة والدفاع عن وجهة نظره، وتحريك النقاش العمومي وتحريره من الجمود، إلى جانب كونها فرصة لحشد قاعدة انتخابية جديدة سواء للأغلبية أو المعارضة.
ولعل أبرز الأمثلة على ذلك، ملتمس الرقابة الذي تقدم به حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ضد حكومة باحنيني سنة 1964، والذي لم ينجح بعد أن أيده 60 نائباً وعارضه 84، ففشل في إسقاط الحكومة.
كما عرف المغرب سنة 1990 محاولة مماثلة خلال حكومة عز الدين العراقي، عندما تقدمت أحزاب الكتلة (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي) بملتمس للرقابة استغرق نقاشه 25 ساعة، لكنه لم يكتب له النجاح، حيث رُفض بـ200 صوت مقابل تأييد 82.
وبالتالي، فإن المعارضة في تاريخها السياسي لم تنجح إلا في تقديم ملتمسين اثنين، لم يُسفرا عن إسقاط الحكومة، لكنهما كانا يحملان رمزية سياسية قوية، وشكّلا دروساً في التنافس الديمقراطي وحرّكا النقاش العمومي.
أما في عهد حكومة عزيز أخنوش، فقد فشلت المعارضة حتى في الالتقاء حول تقديم الملتمس، إذ تخلت عن مبادرة المعارضة الاتحادية سنة 2024، وجددت المحاولة سنة 2025، لتعود وتختلف مجدداً حول من سيقوم بتقديمه، ما عجل بنسف المبادرة وإجهاضها في مهدها، قبل الوصول إلى مرحلة حشد الأصوات اللازمة من الأغلبية لوقف الحكومة عن الاستمرار فيما تبقى من ولايتها.
وفي ظل هذا التشرذم، تبقى المعارضة الحالية عاجزة عن لعب دورها الدستوري، وكأنها تبحث عن موقع لها داخل الحكومة المقبلة، ضمن أحد مكونات الأغلبية الحالية، في مشهد يبدو وكأن معركة 2026 قد حُسمت قبل بدايتها.




