محمد زفزاف.. نبوءة الهامش وصراع الكائن في مرآة السرد

الوكالة

2025-03-04

بدر قلاج/

إذا كان السرد الأدبي مرآة تعكس تناقضات المجتمع، فإن محمد زفزاف لم يكن مجرد كاتب يحترف القص، بل كان ضميرًا سرديًّا يفضح زيف القيم ويؤرخ لانكسارات الإنسان الهامشي. إنه روائي القاع الاجتماعي، ذاك الذي جعل من اللغة مشرطًا جراحيًا يُقشّر سطح الواقع ليكشف عن عفن الهشاشة الإنسانية في دهاليز المدن العربية المنهكة.

منذ حوار في ليل متأخر (1970) وحتى ملك الجن (1988)، ظل زفزاف وفياً لمنظور سردي يتخذ من الهامش مركزًا، ومن الهزيمة قدرًا وجوديًا، حيث تتداخل شخصياته بين الفقر والتشرد والانحراف، بحثًا عن لحظة خلاص مؤجلة.

تتجلى في أعماله ثنائية القهر والمقاومة، لكنها ليست مقاومة بطولية، بل مقاومة عبثية أشبه برقصة أخيرة قبل السقوط في الفراغ.

لم يكن زفزاف مجرد كاتبٍ يروي قصصًا عن المنسيين، بل كان مؤرخًا بوهيميًا لآلامهم، يستلهم من الشوارع الخلفية والزوايا المعتمة صورًا سردية تحتفي بالهزيمة مثلما تحتفي بالمقاومة الصامتة.

ولعل روايته محاولة عيش تقدم نموذجًا لتلك الفلسفة الحياتية التي تتأرجح بين الحلم المجهض والواقع القاسي، حيث تتحول الهامشية من حالة اجتماعية إلى هوية سردية تتحدى التصنيفات التقليدية للأدب.

إن تكريمه بجائزة أدبية تحمل اسمه في مهرجان أصيلة ليس مجرد تخليد لاسمه، بل هو اعتراف بأن الأدب، كما أراده زفزاف، ليس نخبوياً معزولاً في الأبراج العاجية، بل صوتٌ يصرخ في الأزقة الضيقة، حيث يُعاد تعريف الإنسان في مواجهته للموت والفقر والوحدة. هكذا، يبقى زفزاف أيقونة أدبية تعيد صياغة سؤال الوجود، لا كترف فكري، بل كجرح مفتوح لا يلتئم.

تصنيفات