لقاء مع الفنان حسان أبـو حفص: حين يرسم العقل بالفرشاة الفن والعلم في زمن التقاطع المعرفي

الوكالة

2025-06-05

عزمي همام/

في زمن تتقاطع فيه المعارف وتتداخل التخصصات، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الفن والعلم. هل هما عالمان متوازيان؟ أم وجهان لعملة واحدة؟ حول هذا الموضوع، كان لنا هذا اللقاء مع الفنان والأستاذ حسان أبـو حفص، الذي يرى أن الإبداع لا يكتمل إلا عندما يتحد الخيال العلمي بالحس الجمالي.

أستاذ ابوحفص ، ما الذي يجمع بين الفن والعلم في نظركم؟

رغم ما يبدو من تباعد بينهما، فإن العلاقة بين الفن والعلم أعمق مما يُتصوَّر. فالفن ليس مجرد تعبير بصري أو عاطفي، كما أن العلم ليس فقط معادلات وتجارب. كلاهما يسعى، بطريقته، إلى فهم العالم وتفسيره. الفن يُحرك الخيال، والعلم يُنظم المعرفة. حين يجتمعان، يحدث الانسجام الحقيقي.

هل هذه العلاقة قديمة، أم وليدة العصر الحديث؟

هي علاقة ضاربة في القدم. يكفي أن نذكر ليوناردو دافنشي، الذي كان فنانًا وعالمًا ومهندسًا في آنٍ واحد. درس التشريح البشري بدقة مذهلة، واستخدم تلك المعارف في رسم لوحات خالدة مثل “العشاء الأخير” و”الموناليزا”. وفي الحضارة الإسلامية، نجد ابن الهيثم، رائد علم البصريات، الذي ساعدت دراساته على تطوير تقنيات الرسم المنظوري التي أفادت الفنانين لاحقًا.

وكيف تُترجم هذه العلاقة في عصرنا الرقمي؟

في العصر الحديث، أصبح الفن وسيلة أساسية لتبسيط المفاهيم العلمية وتوصيلها إلى عامة الناس. نرى ذلك في الإنفوغرافيا، الرسوم البيانية، الأفلام الوثائقية… فالتغير المناخي، الصحة العامة، والتكنولوجيا الحيوية، كلها مواضيع علمية معقّدة، لكن الفن يساهم في جعلها مفهومة ومؤثرة.

هل يمكن القول إن بعض العلماء كانوا فنانين أيضًا؟

بكل تأكيد. ألبرت أينشتاين، مثلًا، كان مولعًا بالموسيقى وكان يعزف الكمان. أما ونستون تشرشل، فقد كان رجل دولة، وجنديًا، وكاتبًا حصل على جائزة نوبل في الأدب، ولم يمنعه ذلك من أن يكون فنانًا تشكيليًا أيضًا. كان أول من منحته الولايات المتحدة المواطنة الفخرية، وهذا يؤكد أن الموهبة الفنية لا تتعارض مع العقل التحليلي، بل تكمله.

وماذا عن تأثير العلم على الفن؟

العلم ألهم فنانين كثيرين، خصوصًا في الأدب والسينما. أفلام الخيال العلمي، مثلًا، تبنى على نظريات واقعية أو محتملة، كالسفر عبر الزمن، الذكاء الاصطناعي، أو الحياة في كواكب أخرى. والتقنيات الحديثة، كالرسم بالواقع الافتراضي أو الطباعة الثلاثية الأبعاد، فتحت آفاقًا جديدة تمامًا أمام الفنانين، حتى أصبح بإمكان الخوارزميات أن تنتج موسيقى أو لوحات، بالتعاون مع الإنسان.

هناك حديث متزايد عن منهجية STEAM، ما رأيكم فيها؟

إنها مقاربة تربوية حديثة تجمع بين العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الفنون، والرياضيات. هذه المنهجية تهدف إلى تكوين شخصيات متعددة المهارات، قادرة على التفكير النقدي، والإبداع، والعمل الجماعي. لم يعد ممكنًا أن نُعلّم الطلاب وكأن كل علم في جزيرة منفصلة، بل لا بد من تعليمهم كيف يفكرون كعلماء ويحسون كفنانين.

كلمة أخيرة توجهها للقراء؟

في عالم يزداد تعقيدًا، لم يعد الفصل بين التخصصات يخدمنا. نحن بحاجة إلى فكر يجمع بين الدقة العلمية والخيال الإبداعي. الابتكار الحقيقي لا يولد إلا عندما يلتقي الجمال بالمعرفة، حينها تُصاغ الأفكار بلغة العقل والقلب معًا. وبينما نتقدّم نحو مستقبل تقوده التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، سيظل الفن الضامن لإنسانية هذه المسيرة، والعلم محرّكها الأساسي.

تصنيفات