كيف تدار الفوضى في مالي من خلف الحدود الجزائرية؟

الوكالة

2026-04-27

عبد الرزاق باحدة

لم يعد ما يجري في مالي مجرد موجة عنف جديدة تضاف إلى سجل طويل من الاضطرابات التي عرفتها البلاد منذ أكثر من عقد، بل بات يحمل ملامح تحول نوعي في طبيعة الصراع، وفي الرسائل السياسية الكامنة وراءه، وفي الأطراف المستفيدة من انفجار الوضع بهذا الشكل المتزامن والخطير. فالهجمات المنسقة التي استهدفت العاصمة باماكو ومحيطها، وامتدت إلى مدن استراتيجية في الشمال والوسط، لم تكن فقط عملية عسكرية واسعة النطاق، بل بدت أقرب إلى إعادة رسم لموازين القوة داخل مالي، وإلى محاولة واضحة لإخضاع السلطة المركزية لمنطق الابتزاز الأمني كلما حاولت التحرر من شبكات النفوذ التقليدية التي حكمت الملف المالي لسنوات.

القراءة السطحية قد تختزل ما وقع في كونه تحركا لجماعات متشددة أو تمردا انفصاليا عاد إلى الواجهة، غير أن التوقيت، وطبيعة الأهداف، واتساع الرقعة الجغرافية للهجمات، كلها عناصر تدفع نحو مقاربة أعمق تتجاوز المشهد العسكري المباشر. فالبلد الذي أعلن في الآونة الأخيرة مراجعة تموقعه الإقليمي، واتخذ خطوات سياسية لافتة من بينها سحب الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، والانفتاح على شراكات جديدة مع المغرب، وجد نفسه فجأة أمام تصعيد غير مسبوق ضرب قلب العاصمة ومراكز القرار ومواقع الجيش. وفي العلاقات الدولية، نادرا ما يكون تزامن الأحداث الكبرى بلا دلالة.

منذ سنوات، ظلت الجزائر تقدم نفسها باعتبارها الطرف الأكثر التصاقا بالملف المالي، سواء عبر الوساطات السياسية أو عبر اتفاقات السلام أو من خلال خطاب يقوم على حماية الاستقرار في الساحل. غير أن تطور الأحداث أظهر أن هذا الحضور لم يكن منفصلا عن حسابات النفوذ، وأن أي محاولة من باماكو لإعادة صياغة خياراتها السيادية كانت تقابل بتوترات ميدانية تعيد الجميع إلى نقطة الصفر. وهنا تبرز فرضية باتت تتكرر في أكثر من قراءة استراتيجية: حين تفقد الجزائر أدوات التأثير السياسي، يعود العامل الأمني إلى الواجهة عبر فاعلين غير رسميين قادرين على خلط الأوراق وإرباك الدولة المالية.

الجماعات المسلحة، سواء ذات المرجعية الجهادية أو الانفصالية، لا تتحرك دائما بمنطقها الداخلي فقط، بل كثيرا ما تتحول في البيئات الهشة إلى أدوات ضمن صراعات إقليمية أوسع. ففي حالة مالي، لا يمكن تجاهل أن كل هزة كبرى تعيد طرح سؤال المستفيد من إضعاف السلطة المركزية، ومن إبقاء الشمال خارج السيطرة الكاملة، ومن استنزاف الجيش في جبهات متعددة. إن الفوضى هنا ليست مجرد نتيجة جانبية، بل قد تصبح وسيلة ضغط سياسية بالغة الفعالية، لأنها ترغم باماكو على الانكفاء نحو الداخل، وتؤخر أي انفتاح اقتصادي أو استراتيجي جديد، وتعيد إنتاج الحاجة إلى الوسيط القديم.

ولعل مدينة كيدال تختصر هذا المعنى أكثر من غيرها. فهي ليست مجرد نقطة جغرافية في أقصى الشمال، بل عقدة استراتيجية ظلت على الدوام مرتبطة بتوازنات النفوذ الإقليمي. وكلما بدا أن الدولة المالية تقترب من تثبيت سلطتها هناك، عادت المدينة لتتحول إلى بؤرة اشتعال ورسالة سياسية في الآن نفسه. ولذلك فإن عودة التوتر حول كيدال، بالتوازي مع ضرب العاصمة ومحيطها، يكشف أن الهدف لا يقتصر على مكاسب ميدانية محدودة، بل يتصل بإظهار عجز الدولة في المركز والأطراف معا.

الأكثر دلالة في هذا السياق أن التصعيد جاء بعد فترة من التحولات الدبلوماسية التي بدأت تخرج مالي تدريجيا من المدار التقليدي الذي ظلت تدور فيه. فالتقارب مع الرباط لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي، بل ارتبط بمشاريع إقليمية واعدة، من بينها المبادرة الأطلسية المغربية التي تفتح أمام دول الساحل منافذ اقتصادية واستراتيجية جديدة على الفضاء الأطلسي. ومثل هذه التحولات تعني، في جوهرها، إعادة توزيع النفوذ في المنطقة، وهو ما لا يمكن أن يمر دون ردود فعل من القوى التي اعتادت احتكار التأثير في هذا المجال الحيوي.

من هذه الزاوية، يمكن فهم الهجمات الأخيرة باعتبارها رسالة مزدوجة: إلى باماكو أولا بأن الخروج من العباءة القديمة ستكون كلفته باهظة، وإلى بقية دول الساحل ثانيا بأن تغيير الاصطفافات الإقليمية قد يفتح أبواب عدم الاستقرار. إنها لغة القوة غير المباشرة، حيث لا تستخدم الجيوش النظامية، بل تترك الجماعات المسلحة لتقوم بالمهمة الأكثر نجاعة: إنهاك الخصم، وتخويف الحلفاء المحتملين، وتعطيل المشاريع الجديدة قبل أن تنضج.

ولا يتعلق الأمر هنا بتبسيط مشهد شديد التعقيد أو برد كل أزمات مالي إلى عامل خارجي واحد، فالأزمة المالية لها جذور داخلية عميقة ترتبط بالحكم والتنمية والهشاشة المؤسساتية والتوترات الاجتماعية والعرقية. لكن الاعتراف بهذه العوامل لا يلغي في المقابل دور البيئة الإقليمية في توجيه الصراع واستثماره. فالدول لا تتنافس فقط عبر الدبلوماسية والاقتصاد، بل كثيرا ما تستخدم الفجوات الأمنية في جوارها لتثبيت مواقعها أو معاقبة خصومها.

المعضلة بالنسبة لمالي اليوم لا تكمن فقط في صد هجوم هنا أو استعادة مدينة هناك، بل في كيفية كسر الحلقة التي تجعل كل قرار سيادي جديد محفوفا برد أمني عنيف. فإذا لم تستطع باماكو بناء توازنات إقليمية جديدة، وتعزيز قدراتها الاستخباراتية والعسكرية، وتوسيع شراكاتها الاستراتيجية خارج منطق الارتهان التقليدي، فإنها ستظل عرضة لابتزاز دائم يعيد إنتاج الفوضى كلما حاولت التحرك بحرية.

أما بالنسبة لمنطقة الساحل ككل، فإن ما يحدث في مالي يتجاوز حدود الدولة الوطنية. فاستقرار باماكو لم يعد شأنا ماليا داخليا، بل أصبح جزءا من معادلة أمن إقليمي تشمل الحدود والهجرة والتجارة ومكافحة الإرهاب وممرات التنمية المستقبلية. ومن هنا، فإن ترك الفوضى تتحول إلى أداة نفوذ سيعني فتح المنطقة على دورات جديدة من الانهيار المتسلسل.

مالي اليوم تقف عند مفترق حاسم: إما أن تنجح في تثبيت سيادتها وبناء تحالفات جديدة تحرر قرارها الوطني، وإما أن تبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. وبين هذين الخيارين، تبدو الهجمات الأخيرة أكثر من مجرد عملية مسلحة؛ إنها اختبار قاس لمعنى الاستقلال السياسي في منطقة لا تزال الحدود فيها أقل صلابة من المصالح المتصارعة.