السلطات بترناتة تتخبط حول مصدر التسربات..و تلتزم الصمت.؟ من يجرؤ على قول الحقيقة؟

الوكالة

2025-08-04

سهام بنموسى
وكالة الأنباء المغربية

في زاوية منسية من خريطة الجنوب الشرقي، وتحديدًا بجماعة ترناتة بإقليم زاكورة ، يتكرر مشهد مأساوي في صمت ثقيل: صهريج مائي ضخم، بطاقة استيعابية تبلغ 400 طن من الماء الصالح للشرب، يُفرغ أربع مرات متتالية دون أن يستفيد منه أحد. كمية هائلة — 400 ألف لتر — لا تروي عطش ساكنة أنهكها الجفاف، بل تختفي نحو المجهول، وكأن ثمة من قرر تحويل “الماء” إلى ثروة صامتة تُستنزف في الخفاء.

أزيد من شهر ونصف من الانتظار والحيرة، ظلّت خلالها لجنة تقنية تائهة في محاولة لفهم أسباب هذا التسرب الهائل، دون أن يصدر أي بلاغ رسمي يوضح للرأي العام ما يحدث، أو يطمئن الساكنة التي لم تعد تملك سوى الصبر والتحديق في صهريج يُملأ كل مرة، ليُفرغ كما لو كان يسقي الفراغ.

وحين ظهرت أخيرًا أولى خيوط الخلل، كانت المفاجأة صادمة. ثلاثة أنابيب مطمورة تحت الأرض، بأقطار كبيرة (32، 40 و50 بوصة)، تم العثور عليها بزاوية القاضي، تتسرب منها المياه في صمت مطبق، وكأن أحدهم تعمد تركها مفتوحة على العدم، لابتلاع آلاف اللترات من دون أن يثير ذلك أي انتباه مؤسساتي.

لم يكن من السهل رصد هذه التسربات، فالأنابيب المعنية ظلت لعقود جزءًا من شبكة مهترئة، غير مرئية، لم تُحدث ولم تُعزل، وكأن الزمن توقف عندها، أو كأنها لم تكن يومًا جزءًا من منظومة يُفترض أن تخضع للمراقبة الدورية والصيانة.

رحلة التقصّي قادت اللجنة لتتابع بحثها نحو قصر تيسركات، حيث اتضح أن جزءًا من شبكة قديمة، يفترض أنها غير مفعلة منذ سنوات، لا يزال متصلًا بالمنظومة المائية الحالية. هناك، تم العثور على أنبوبين إضافيين بقطر 25 بوصة، ما زاد الصورة تعقيدًا، ورسّخ الشكوك بشأن وجود نظام موازٍ يبتلع الماء دون رقيب.

غير أن ما جرى كشفه لا يعدو كونه قمة جبل الجليد. الأسئلة الثقيلة التي تؤرق المتابعين و الرأي العام : من كان على علم بوجود هذه القنوات؟ لماذا لم تُعزل منذ سنوات؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا النزيف المائي المستمر؟ هل نحن أمام تقصير تقني؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك، ويتعلق بصمت مؤسساتي متعمَّد وتواطؤ ضمني مع الفشل؟ لمادا هدا الصمت المريب !؟

في بداية الأزمة، وُجّهت أصابع الاتهام نحو رئيس الجماعة، وحُمّل وحده وزر التسرب المجهول . لكن اليوم، بعد أن بدأت ملامح الإشكال البنيوي تظهر إلى العلن، فضّلت السلطات ذاتها الصمت، وكأنها أدركت أن الفضيحة اتضحت لعبتها باتهام باطل للرئيس.

مصدر موثوق فضّل عدم الكشف عن هويته، أكد للجريدة أن حسابات سياسوية وانتخابوية سابقة لأوانها بدأت تطفو إلى السطح، من خلال محاولات مفضوحة لتشويه صورة رئيس جماعة ترناتة، ونسج اتهامات جزافية تتعلق بسرقة الماء. غير أن مصادر متطابقة من داخل الأغلبية والمعارضة على حد سواء، أوضحت للجريدة أن الأنبوب الذي تم العثور عليه يعود فعلاً للرئيس، وكان متصلا ببئره الخاص في وقت سابق، في إطار مبادرة شخصية منه لتخفيف حدة العطش، خاصة بجماعة الروحا، في وقت كانت فيه الساكنة تعاني من انقطاع تام للماء الصالح للشرب. وهي المبادرة التي سبق للرئيس نفسه أن أوضح تفاصيلها في تصريح رسمي سابق لوكالة الأنباء المغربية، نافياً أي استعمال غير قانوني للماء.

الملف اليوم بين يدي القضاء، وهو الجهة الوحيدة المخولة بكشف كل الخيوط وترتيب المسؤوليات، بعدما أصبحت الساكنة تتابع عن كثب هذا المسلسل الذي جمع بين الواقع والعبث. المتهم، كيفما كان موقعه، يتمتع بكامل حقوقه الدستورية، ولا يُدان إلا بحكم نهائي وقطعي وصادر عن المحكمة . وفي المقابل، ما زالت السلطات المحلية واللجنة التقنية بجماعة ترناتة عاجزة، أو مترددة، عن تقديم أي تفسير منطقي لحقيقة ما يجري داخل شبكة التوزيع المهترئة، التي تحولت إلى صندوق أسود يبتلع الماء ولا يقدمه للناس. المفارقة أن من يدعي محاربة “سرقة الماء” يعجز حتى عن كشف مصير صهريج يفرغ أربع مرات دون أن تصل منه قطرة واحدة إلى أفواه العطشى. “طاحت الصمعة، علقو الحجام”، والساكنة لا تزال تنتظر جوابًا حقيقيًا، لا مسرحية سياسية مملة.

غير أن الصمت لا يطفئ العطش. التغاضي عن هذا النزيف المائي في منطقة تعاني أصلًا من شُح الموارد هو تواطؤ أخلاقي قبل أن يكون إداريًا أو سياسيًا. من يملأ الصهريج يعلم أنه يفرغه في العدم، ومن يرى الماء يقطر لا يسأل عن مصدره، ولا عن آلاف اللترات التي أُهدرت قبله.

في مشهد كهذا، تبدو الدولة مدعوة إلى ما هو أبعد من مجرد إصلاح أعطاب تقنية. الأمر يفرض إعادة النظر في نمط تدبير الماء محليًا، ومساءلة بنية تحتية متهالكة، تُستغل خارج الرقابة، وأحيانًا خارج المنطق.

وفي خضم هذا الوضع الاستثنائي، تفاعل عامل إقليم زاكورة، السيد فؤاد حاجي، المهندس المتخصص في قضايا الماء، مع نداءات ساكنة دوار السرادنة كما نقلتها وكالة الأنباء المغربية بكل أمانة. فأصدر تعليماته الصارمة والعاجلة لتزويد ساكنة السرادنة على وجه السرعة ودون أي انتظار، وهي التعليمات التي تفاعلت معها المصالح المحلية عبر الشروع في عمليات تعقيم وتطهير الخزان المتواجد بدات الدوار ، من اجل التزويد وضمان الحد الأدنى من كرامة العيش للسكان المتضررين.

ترناتة ليست فقط جماعة قروية تعاني العطش. إنها مرآة صادقة لزاكورة الغزالة الهامشية، حُرمت من البنيات الأساسية، ثم طُلب منها الصبر والصمت، حتى حين يضيع الماء بين أنابيب الأشباح.

وأمام هذه المعطيات والتفاصيل الجديدة التي قلبت الموازين وفضحت واقع الشبكة المهترئة وضياع الماء في الأنابيب، يبقى السؤال معلقًا:

من يجرؤ فعلاً على كشف الحقيقة كاملة، لا مجزأة ولا مفبركة؟ من يملك الجرأة ليخبر الناس أين ضاعت أطنان من المياه؟
أم أن الحسابات السياسوية والانتخابوية للنيل من شرف الناس وسمعتهم، أقوى من العطش، وأقسى من قول الحقيقة في جماعة أنهكها الجفاف، وألجمها الصمت والتواطؤ؟

بين ضياع الماء وحجب الحقيقة، يبقى كشف قول الحقيقة أسمى التحديات. ووسط هذا المشهد، تظل وكالة الأنباء المغربية ملتزمة بمتابعة الملف خطوة بخطوة، ناقلةً لكم أحداثه بكل شفافية ومصداقية، كاشفةً المستور، ومساهِمة في كشف الغموض الذي ظلّ يلف أزمة ترناتة .

تصنيفات