قوارب اليأس تعود إلى الفنيدق… عندما يصبح البحر آخر أبواب الأمل

الوكالة

2026-07-31

عبد الغني جبران

لم يعد مشهد عشرات الشباب وهم يركضون نحو البحر بمدينة الفنيدق مجرد صورة عابرة تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح عنواناً لأزمة اجتماعية عميقة، تتكرر كلما ضاقت السبل أمام فئة واسعة من الشباب الباحث عن مستقبل يعتقد أنه يوجد في الضفة الأخرى.
خلال الأيام الأخيرة، عادت الفنيدق إلى واجهة الأحداث بعد محاولات متكررة للهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة، في مشاهد اختلط فيها الأمل بالخوف، وانتهى بعضها بمآسٍ إنسانية بعد تسجيل حالات غرق واختفاء، وسط تعبئة كبيرة لمختلف المصالح الأمنية والسلطات العمومية التي تدخلت للتصدي لمحاولات العبور وإنقاذ الأرواح.
لكن خلف هذه المشاهد المؤلمة يبرز سؤال أكبر من مجرد الهجرة نفسها: لماذا أصبح البحر بالنسبة إلى بعض الشباب أقل رهبة من واقعهم اليومي؟
إن الشاب الذي يقرر مواجهة الأمواج، وهو يعلم أن احتمال الموت وارد في كل لحظة، لا يفعل ذلك حباً في المغامرة، بل لأنه يشعر بأن الأبواب أوصدت في وجهه. البطالة، والهشاشة، وارتفاع كلفة المعيشة، وضعف فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، كلها عوامل تدفع عدداً من الشباب إلى اعتبار الهجرة، مهما كانت محفوفة بالمخاطر، فرصة أخيرة لتغيير مصيرهم.
ولا يختلف اثنان حول أهمية حماية الحدود ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر التي تستغل أوهام الشباب وتدفعهم إلى ركوب قوارب الموت. كما أن تدخلات السلطات الأمنية تبقى جزءاً من مسؤوليتها في حماية الأرواح وتطبيق القانون. غير أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، لن تكون كافية ما لم تُعالج الأسباب العميقة التي تغذي هذه الظاهرة.
إن الهجرة غير النظامية ليست مجرد تحدٍ أمني، بل هي قضية تنموية واجتماعية تستدعي سياسات عمومية أكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتقليص الفوارق المجالية، حتى يشعر الشباب بأن لهم مستقبلاً داخل وطنهم.
فالمغرب يمتلك طاقات بشرية هائلة، وشبابه ليس عبئاً، بل هو أكبر رأسمال يمكن الاستثمار فيه. غير أن هذا الرأسمال يحتاج إلى فرص حقيقية، وإلى سياسات تعزز الثقة وتفتح آفاقاً جديدة، حتى لا تتحول الشواطئ إلى محطات للرحيل، ولا يصبح البحر مقبرة لأحلام كان من الممكن أن تتحقق فوق أرض الوطن.
ويبقى المؤلم في كل هذه المآسي أن كل شاب يُفقد في عرض البحر لا يمثل خسارة لعائلته فقط، بل خسارة للمجتمع بأسره. فالأوطان لا تُقاس بعدد المشاريع والمنجزات فحسب، بل أيضاً بقدرتها على منح أبنائها الأمل، حتى يختاروا البقاء وبناء المستقبل بدل المجازفة به في عرض البحر.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو: إلى متى سيظل البحر يبتلع أحلام شبابنا؟ ومتى يصبح الأمل داخل الوطن أقوى من إغراء الهجرة، مهما كانت مخاطر

تصنيفات