









في المتن والعقل المؤسس.. الجابري وإشكالية البناء من الداخل
الوكالة
2025-04-17

بدر قلاج /
في زمنٍ تتقاطع فيه الأسئلة الكبرى حول المصير الحضاري مع الحاجة الملحة لتحرير أدوات التفكير، تنبعث من مدينة مراكش لحظة فكرية استثنائية، عنوانها ليس فقط اسم محمد عابد الجابري، بل سؤال: كيف نفكر من داخل الذات دون أن نسقط في أسرها؟
تنعقد ندوة فكرية نوعية، بمبادرة من جمعية آفاق التنموية وبشراكة مع مؤسسة محمد عابد الجابري للفكر والثقافة، تحت عنوان “الجابري: المسار… والمشروع”، يوم السبت 26 أبريل 2025، على الساعة الرابعة مساء، بالمركب الثقافي العربي الكواكبي بالمحاميد. لقاء يؤطره الدكتور عبد الصمد الكباص، ويشارك فيه نخبة من المفكرين، من بينهم الدكتور محمد بوسيخة، والدكتور محمد الأشهب، والدكتور إبراهيم أعراب.
ليست هذه التظاهرة الفكرية تقليدية في مقاربتها، فهي لا تكتفي باستعادة صورة مفكر أو تقديم شهادات أكاديمية، بل تذهب إلى عمق السؤال: ما الذي يجعل من فكر الجابري راهنًا اليوم، في لحظة تاريخية تتنازعها قوى التفكيك والارتداد والعدم؟
إن الجابري لم يشتغل على نقد العقل العربي بوصفه مشروعًا معرفيًا فقط، بل بوصفه معركة من أجل التموقع في التاريخ. كان يرى أن النهضة لا تولد من النصوص بقدر ما تولد من شروط إنتاج العقل ذاته. لذلك، فإن الربط بين مساره الشخصي ومشروعه الفكري، ليس مجازًا بل ضرورة. فهو الذي انتقل من الحقل السياسي إلى الحقل الفلسفي، دون أن يتخلى عن الانشغال بسؤال السلطة والمعرفة والمجتمع.
الندوة، في بعدها العميق، استدعاء لعقل نقدي لم يتوقف عن مساءلة المسلمات، ولم يهادن التباسات التراث، بل تعامل معه كموضوع للقراءة لا كموضوع للتقديس. إنها لحظة لفهم كيف تتكون المفاهيم داخل التاريخ، وكيف يصبح “التراث” جزءًا من سؤال الحداثة وليس نقيضًا لها.
اللقاء في مراكش، حيث يتداخل الواقعي بالرمزي، والأسطوري بالفلسفي، لا يُعد فقط فعلًا ثقافيًا، بل تمرينًا جماعيًا على التفكير من داخل الزمن، واستحضار الجابري ليس كرمز جامد، بل كمنظومة فكرية تواصل مساءلتنا وتغوينا بالتحرر من يقينياتنا الكسولة.
من هنا، فإن ندوة “المسار والمشروع” تفتح بابًا لتأمل مسألة العقل في الفكر العربي من جديد، من خلال منجز رجل آمن بأن النهضة تبدأ عندما نعيد ترتيب علاقتنا بأدوات الفهم، وبأن المشروع الحضاري لا يُبنى إلا من الداخل، من حيث الجرح لا من حيث التماهي.



