









فن التفاوض شبيه بالشطرنج لا تحرك القلعة فتخسر قبل البداية
الوكالة
2026-04-27

سقـــراط
لا يقتصر التفاوض على قاعات الاجتماعات وصفقات رجال الأعمال، ولا يرتبط فقط بالدبلوماسية وتسوية النزاعات الدولية كما هو الحال في عصرنا الراهن، بل هو مهارة إنسانية رافقت البشر منذ البدايات الأولى للتعايش، حين أدرك الإنسان أن الوصول إلى المصالح لا يتحقق دائماً بالصراع، بل أحياناً بالحوار والمقايضة.
ويُنظر إلى التفاوض باعتباره أشبه بلعبة شطرنج، ببساطة كيف تربح قبل أن تبدأ اللعبة، حيث تقوم على التفكير المسبق، وقراءة تحركات الطرف الآخر، واختيار اللحظة المناسبة للتقدم أو التراجع.
فالمفاوض الجيد لا يتحرك بعشوائية، بل يبني استراتيجيته على الحساب، والتوقع، والقدرة على إدارة المكاسب والتنازلات.
ويشير عالم الاجتماع جوناثان غودمان في كتابه Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World إلى أن الإنسان ليس كائناً متعاوناً أو أنانياً بالمطلق، بل تحكمه المصالح وفرص تحقيق المكاسب، وهو ما يجعل التفاوض أداة لتنظيم هذه المصالح بدل تحويلها إلى صراع.
وتؤكد دراسات حول تطور السلوك البشري أن جذور التفاوض تعود إلى أولى عمليات المقايضة بين البشر، حين لم تكن المبادلات مجرد تبادل سلع، بل اختباراً للثقة والمنفعة المتبادلة، كيف ينتصر دون صدام؟
وفي هذا السياق، يرى الباحث روبرت أكسلرود في كتابه The Evolution of Cooperation أن التعاون لم يكن سلوكاً مثالياً بقدر ما كان استراتيجية للبقاء، وهو ما جعل التفاوض جزءاً من تطور العلاقات الإنسانية منذ العصور الأولى.
ومع تطور الحضارات، انتقل التفاوض من ممارسات فطرية إلى قواعد مؤطرة عبر العقود والأعراف والقوانين، كما في حضارات قديمة كبلاد ما بين النهرين، قبل أن يصبح لاحقاً أداة مركزية في العلاقات الدولية، خاصة بعد صلح وستفاليا الذي أرسى قواعد الدبلوماسية الحديثة.
ولمن يريد أن يصبح مفاوضاً ناجحاً، يرى محترفوا هذا الفن أن هناك مبادئ أساسية لا غنى عنها، أبرزها حسن الإصغاء، وفهم مصالح الطرف الآخر، وعدم كشف جميع الأوراق منذ البداية، إضافة إلى المرونة وضبط الانفعالات والقدرة على تقديم تنازلات هامشية مدروسة دون اغفال الهدف.
وكما في الشطرنج، مفاوضات بين أمريكا وايران، ومضيق هرمز هي رقعة الشطرنج لكسب الرهان، فمن يحرك القلعة أولا !




