فسحة رمضانية

الوكالة

2026-02-23

محمد نشوان

في واحدة من الطرائف ذات الدلالات العميقة في التاريخ الإسلامي، يروي الأديب الأصمعي واقعة جرت في مجلس الخليفة العباسي هارون الرشيد، كان بطلها قاضٍ عُرف بالإنصاف والاستقامة، هو عافية بن يزيد.

تبدأ القصة بدخول جماعة إلى مجلس الخليفة، شاكين من القاضي عافية بن يزيد. غير أن شكواهم لم تكن بسبب ظلم أو جور، بل بسبب ما وصفوه بـ”شدة تسامحه” وإنصافه بين الخصوم، في إيحاءٍ بأن عدله لم يكن يروق لبعض أصحاب المصالح.

استمع الخليفة إلى أقوالهم، ثم أمر باستدعاء القاضي للمثول بين يديه. حضر الرجل بثبات، ووقف أمام أمير المؤمنين ليجيب عن أسئلته المتعلقة بسيرته في القضاء ومنهجه في الفصل بين الناس.

وبينما كان الحوار دائراً، عطس الخليفة في مجلسه، فبادر الحاضرون إلى تشميته، إلا القاضي الذي التزم الصمت. انتبه الخليفة إلى ذلك، وسأله مستغرباً عن سبب امتناعه.

جاء جواب القاضي هادئاً وواضحاً: لم أشمتك لأنك لم تحمد الله. ثم استشهد بحديث نبوي رواه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد فيه أن النبي شمّت أحد رجلين عطسا لأنه حمد الله، ولم يشمت الآخر لأنه لم يحمده.

أدرك الخليفة مغزى الموقف. فالرجل الذي لم يجامل في أمرٍ بسيط كتشميت العاطس دون تحقق من شروطه الشرعية، لن يجامل في قضايا الناس وأحكامهم. عندها قال كلمته الفاصلة:
“ارجع إلى عملك وقضائك، ودم على ما كنت عليه، فمن لم يسامح في عطسة لن يسامح في غيرها.”

وانصرف القاضي مرفوع الرأس، بعدما تحولت محاولة النيل منه إلى شهادة عدل في حقه، فيما وجّه الخليفة لومه لمن سعوا للإيقاع به.

تعكس هذه الحادثة جانباً من طبيعة القضاء في العصر العباسي، حيث كان الميزان الحقيقي هو النزاهة والالتزام بالمبدأ، لا المجاملة أو الرضوخ للضغوط. كما تُبرز أهمية استقلال القاضي وثباته على القيم، حتى في حضرة أعلى سلطة سياسية في الدولة.

إنها قصة تختصر معنى العدل في موقف عابر، وتؤكد أن النزاهة تبدأ من التفاصيل الصغيرة، وأن من يلتزم الحق في أبسط الأمور، يكون أقدر على إقامته في أعظمها.