فسحة رمضانية دعوة إلى صون رأس مال العمر من الهدر

الوكالة

2026-02-25

محمد نشوان

يضع القرآن الكريم قاعدة جامعة في تدبير الزمن الإنساني من خلال ما ورد في سورة العصر، حيث يؤكد أن الأصل في الإنسان الخسران، قبل أن يستثني من هذه القاعدة فئة محددة جمعت بين الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. معادلة تختزل، في كلمات معدودة، شروط النجاة في سباق العمر الذي يمضي دون توقف.

هذا المعنى العميق يستحضر صورة بائع الثلج الذي كان يجوب الأزقة مردداً نداءه المؤثر: “ارحموا من يذوب رأس ماله”. عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختزن دلالة بليغة؛ فالثلج إذا ذاب فقد قيمته الأولى، وتحول إلى ماء لا يمكن إرجاعه إلى حالته السابقة. إنها استعارة تختصر حال الإنسان مع الزمن، حيث يشكل العمر رأس ماله الحقيقي، وكل لحظة تمضي تقتطع جزءاً من هذا الرصيد المحدود.

ويكتسب هذا الوعي أهمية مضاعفة خلال شهر رمضان، الذي يمثل محطة سنوية لإعادة ترتيب الأولويات ومراجعة الذات. ففي الوقت الذي تتضاعف فيه فرص الأجر والعمل الصالح، تتزايد أيضاً مظاهر هدر الوقت في تفاصيل يومية قد لا تضيف قيمة حقيقية لحياة الفرد، لا على المستوى الديني ولا الدنيوي.

الرهان، إذن، لا يرتبط فقط بكثرة الأعمال، بل بحسن استثمار الساعات والأيام، والوعي بمن يستنزف هذا الرصيد دون مردود. فكل شخص يدرك، في قرارة نفسه، أين تتسرب دقائقه، وأي العادات تلتهم وقته دون جدوى.

رمضان يظل مناسبة للتنبيه إلى أن العمر ليس مورداً قابلاً للتجديد، وأن رأس المال الحقيقي للإنسان هو وقته. وبين ذوبان الثلج وضياع الساعات، تبقى المسؤولية فردية في تحويل الأيام إلى رصيد رابح، بدل أن تتحول إلى خسارة يصعب تعويضها.