









فسحة رمضانية حين يطهر القرآن ما لا نراه
الوكالة
2026-03-04

محمد نشوان
تعكس قصة رمزية متداولة في المجالس التربوية والدينية جانباً من الأثر المعنوي لتلاوة القرآن الكريم، مسلطة الضوء على قيمة الاستمرارية في القراءة، حتى في غياب الحفظ الكامل للنصوص.
وتحكي القصة عن أب اعتاد قراءة القرآن يومياً، دون أن يتمكن من تثبيت الكثير من الآيات في ذاكرته، وهو ما أثار استغراب ابنه الصغير الذي تساءل عن جدوى القراءة ما دام الحفظ محدوداً. السؤال جاء مباشراً، لكنه عكس فهماً شائعاً يربط بين الفائدة والحفظ، ويغفل أبعاداً أخرى للتلاوة.
الأب اختار أن يجيب بطريقة عملية، بعيداً عن الشرح النظري. طلب من ابنه أن يأخذ سلة كانت تُستعمل لنقل الفحم، وأن يملأها ماءً من البحر. السلة كانت مثقوبة وتحمل آثار الفحم وغباره، ما جعل مهمة الاحتفاظ بالماء مستحيلة عملياً. حاول الصبي أكثر من مرة، يملأها مسرعاً ويعود بها، لكن الماء كان يتسرب قبل أن يصل. تكررت المحاولات إلى أن عاد متعباً معلناً فشل المهمة.
غير أن الأب وجّه انتباه ابنه إلى ملاحظة بدت في البداية ثانوية، لكنها كانت جوهر الرسالة: السلة التي كانت متسخة ببقايا الفحم أصبحت نظيفة تماماً بعد تعريضها المتكرر للماء. ورغم أنها لم تحتفظ بالماء، إلا أنها تغيّرت من الداخل والخارج.
بهذا المثال، أراد الأب أن يوضح أن تلاوة القرآن تؤدي وظيفة شبيهة في حياة الإنسان؛ فحتى إن لم يحفظ القارئ جميع الآيات، فإن المداومة على القراءة تُحدث أثراً تراكمياً في النفس، فتخفف من قسوة القلب، وتقلل من آثار الهموم والانشغالات اليومية، وتعيد ترتيب الأولويات الروحية.
ويؤكد مختصون في التربية الدينية أن الحفظ فضيلة معتبرة، لكنه ليس المعيار الوحيد للانتفاع بالقرآن. فالاستماع والتلاوة والتدبر، كلّها أبواب للأثر الروحي، إذ تشير نصوص شرعية متعددة إلى أن مجرد قراءة الحرف من القرآن يترتب عليه أجر، فضلاً عن ما يتركه من طمأنينة وسكينة في نفس القارئ.
كما أن الدراسات النفسية الحديثة تتقاطع مع هذا المعنى من زاوية مختلفة، إذ تشير إلى أن التكرار اليومي للنصوص ذات البعد الروحي يسهم في خفض مستويات التوتر وتعزيز الاستقرار الداخلي، حتى وإن لم يكن القارئ واعياً بكل تفاصيل التأثير.
وتخلص القصة إلى رسالة واضحة مفادها أن ضعف الحفظ لا ينبغي أن يكون سبباً في هجر التلاوة، لأن الأثر قد يكون خفياً وغير مرئي في حينه، لكنه يتراكم بمرور الوقت، تماماً كما نظّف الماء السلة دون أن يبقى فيها.
وفي سياق شهر رمضان، حيث تتضاعف العناية بالقرآن قراءةً وختمًا، تتجدد الدعوة إلى جعل التلاوة عادة يومية مستمرة، لا ترتبط فقط بمدى الحفظ، بل بحضور القلب واستمرار الصلة بالنص القرآني، باعتباره مصدراً للهداية والسكينة وتهذيب السلوك.



