









فسحة رمضانية حكمة تتوارثها الأجيال في بيت لا يغلق أبوابه
الوكالة
2026-02-27

محمد نشوان
في أجواء رمضانية يغلب عليها التأمل واستحضار القيم، تبرز قصة حكيم اشتهر بين الناس برجاحة عقله وسداد رأيه، حتى صار بيته قبلة للمتخاصمين وملاذا للمحتاجين. فقد اعتاد الأهالي طرق بابه طلبا للفصل في النزاعات وإسداء المشورة في الملمات، مستندين إلى ما عُرف عنه من إنصاف وسخاء.
الحكيم، الذي جمع بين الحكمة والغنى، لم يكن يبخل بعلمه ولا بماله، بل كان يرى في خدمة الناس واجبا أخلاقيا ورسالة حياة. كما أولى تربية ابنه عناية خاصة، فغرس فيه قيم العدل والعطاء وتحمل المسؤولية.
وذات يوم، بدا على الحكيم حزن وتأمل عميق، ما أثار انتباه ابنه الذي سارع إلى سؤاله عن سبب انشغاله. فأفصح الأب عن هاجسه، موضحا أنه يفكر في اليوم الذي سيغيب فيه عن الدنيا، متسائلا عمن سيتولى بعده فتح البيت أمام المتخاصمين ومساعدة المحتاجين، حتى لا يُحرم الناس من باب اعتادوا قصده طلبا للإنصاف.
الابن، الذي بدا واثقا، طمأن والده مؤكدا استعداده لتحمل المسؤولية ومواصلة النهج نفسه بعد رحيله. غير أن الأب اختار أن يختبر نضج ابنه من خلال أسئلة عملية تعكس طبيعة ما قد يواجهه مستقبلا.
سأله أولا عن كيفية التصرف إذا احتكم إليه شخصان أحدهما كريم والآخر بخيل، فأجاب الابن بأنه سيأخذ من الكريم ليعين البخيل، باعتبار أن الكريم لا يضيق بالعطاء. ثم سأله عن حال خصمين كلاهما بخيل، فرد الابن بأنه سيتدخل من ماله الخاص للإصلاح بينهما، حفاظا على السلم وتغليبا للمصلحة العامة.
أما السؤال الأخير، فكان حول ما إذا كان الخصمان كريمين معا، فجاء جواب الابن حاسما، إذ اعتبر أن الكرماء لا يدوم خلافهم، وإن وقع فهو عارض سرعان ما يزول دون حاجة إلى حكم أو وساطة.
عندها أدرك الأب أن رسالته لن تنقطع، وأن القيم التي غرسها قد أثمرت وعيا ومسؤولية، ليطمئن إلى أن البيت سيظل مفتوحا في وجه الناس، وأن الحكمة يمكن أن تتوارث كما تتوارث الأملاك، ما دامت التربية قائمة على العدل والإحسان.



