فسحة رمضانية العدل فوق السلطة

الوكالة

2026-03-11

محمد نشوان

قصة عمر بن الخطاب والعباس بن عبد المطلب

تُعدّ سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أزهى صفحات التاريخ الإسلامي، لما حملته من نماذج فريدة في إرساء قيم العدل والمساواة بين الناس. ومن بين المواقف التي تجسد هذه القيم في أبهى صورها، قصة وقوفه أمام القضاء في قضية تتعلق بتوسعة المسجد الحرام، حيث كان الطرف الآخر فيها هو الصحابي الجليل العباس بن عبد المطلب.
فمع تزايد أعداد المسلمين الوافدين إلى مكة، رأى الخليفة عمر بن الخطاب ضرورة توسيع المسجد الحرام لاستيعاب المصلين والزوار. غير أن تنفيذ هذا المشروع كان يقتضي إزالة بعض البيوت المجاورة للحرم، ومن بينها بيت العباس بن عبد المطلب، عم النبي محمد ﷺ.

أصدر عمر قراراً يقضي بهدم البيت مقابل تعويض صاحبه ببيت آخر، مراعاة للمصلحة العامة وخدمة لبيت الله. غير أن العباس رفض القرار، متمسكاً بحقه في ملكية منزله، وقال بحزم:
“لا يا عمر، لن تهدم بيتي”.

حاول عمر أن يلين موقف العباس، موضحاً أن الأمر يتعلق بتوسعة المسجد الحرام وخدمة المسلمين، لكن العباس ظل متمسكاً برأيه، معبّراً عن حقه المشروع في رفض هدم بيته.

وأمام هذا الموقف، لم يلجأ الخليفة إلى سلطته لفرض القرار، بل اختار طريق العدالة قائلاً:
“إذن نحتكم إلى القضاء”.

اتفق الطرفان على الاحتكام إلى القاضي الشهير بعدله ونزاهته شريح القاضي. وعندما دخلا مجلس القضاء، أعلن عمر موقفاً تاريخياً يجسد مبدأ المساواة أمام القانون، قائلاً:
“لا تنادني أمير المؤمنين هنا، فأنا عمر، مواطن يقف أمام القضاء”.

وقف الخليفة إلى جانب خصمه في مجلس القاضي، في مشهد نادر يجسد عدالة الإسلام، حيث لا امتياز للحاكم على غيره إلا بالحق.

بعد الاستماع إلى الطرفين، أصدر القاضي شريح حكمه قائلاً إن الخليفة لا يملك حق هدم بيت العباس دون رضاه، لأن الملكية الخاصة لا يجوز الاعتداء عليها إلا بموافقة صاحبها.

تقبّل عمر الحكم بكل احترام، وقال للقاضي:
“أصبتَ وأحسنتَ يا شريح”، معبّراً عن تقديره لنزاهة القضاء واستقلاله.

لكن القصة لم تنته عند هذا الحد. فقد تأثر العباس بما رآه من عدل الخليفة وحياد القاضي، فأعلن تنازله عن بيته طوعاً من أجل توسعة المسجد الحرام وخدمة المسلمين.

وبذلك تحولت القضية من خلاف قانوني إلى مشهد أخلاقي بديع، تجلّت فيه قيم العدل والكرامة والتجرد والإيثار.

تظل هذه الواقعة واحدة من أبرز الشواهد في التاريخ الإسلامي على مبدأ سيادة القانون، حيث خضع الحاكم للقضاء مثل أي مواطن، واحترم الحكم الصادر، في حين بادر صاحب الحق إلى التنازل عنه طوعاً لما رأى من عدالة ونزاهة.

إنها قصة تؤكد أن العدالة الحقيقية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى على الثقة والإنصاف