









عود السلاح في التبوريدة.. الحصان الذي يصنع هيبة السربة ويحفظ إرث الفروسية المغربية
الوكالة
2026-08-14

عزمي همام
“عود السلاح” ليس مجرد حصان يمتطيه الفارس أثناء العرض، بل شريك أساسي في صناعة الفرجة، وعنصر حاسم في نجاح “السربة”. فمهما بلغت مهارة الفارس، فإن أداءه يبقى رهينا بقدرة حصانه على الانضباط والثبات والاستجابة الدقيقة للأوامر في لحظات تتطلب أعلى درجات التركيز والانسجام.
وعند أهل التبوريدة، يحظى عود السلاح بمكانة خاصة، إذ يُعامل باعتباره فرداً من أفراد السربة، ويُمنح عناية يومية تشمل التغذية والتدريب والرعاية الصحية والترويض المستمر، ليظل في أفضل جاهزية خلال المواسم والمنافسات.
ليس كل حصان يصلح للمشاركة في التبوريدة، فاختيار عود السلاح يخضع لمعايير دقيقة أهمها قوة البنية الجسدية، وسلامة الأطراف واتساع الصدر وقوة العضلات إلى جانب الذكاء وسرعة الاستجابة. كما يُشترط أن يتمتع بشخصية هادئة ومتزنة لأن أصوات البارود والانطلاق الجماعي قد تربك أي حصان غير مروض.
ويفضل أغلب الفرسان الحصان العربي البربري، لما يتميز به من سرعة وقوة وتحمل، إضافة إلى رشاقته وقدرته على تغيير السرعة والتوقف المفاجئ دون فقدان توازنه، وهي صفات أساسية في عروض التبوريدة.
إعداد عود السلاح رحلة تمتد لسنوات تبدأ منذ مراحل مبكرة من عمر الحصان. في البداية يتعلم الطاعة الأساسية واحترام الفارس، ثم يخضع لتدريبات خاصة على الركض الجماعي والتوقف المفاجئ والحفاظ على استقامته وسط باقي الخيول.
بعد ذلك تأتي مرحلة تعويده تدريجيا على صوت البارود حيث يبدأ التدريب بأصوات خفيفة وبعيدة قبل الاقتراب شيئاً فشيئاً حتى يعتاد صوت الانفجار ولا يظهر أي خوف أو ارتباك. فالهدف ليس فقط ألا يفر الحصان، بل أن يواصل اندفاعه بنفس القوة والثبات حتى نهاية “الهدة”.
ينشأ بين الفارس وعود السلاح رابط قوي يقوم على الثقة والتفاهم. فالحصان يحفظ صوت فارسه، ويستجيب لإشاراته الخفيفة، سواء بحركة اللجام أو ضغط الساقين أو نبرة الصوت، دون الحاجة إلى استعمال القوة.
ولهذا يحرص العديد من الفرسان على عدم تغيير خيولهم إلا عند الضرورة لأن الانسجام بين الطرفين يُبنى مع مرور الوقت، ويظهر بوضوح خلال لحظة الانطلاق وإطلاق البارود.
يتطلب عود السلاح نظاماً غذائياً متوازناً للحفاظ على قوته ولياقته، يعتمد أساساً على الشعير والتبن والأعلاف الجيدة، مع توفير الماء النظيف وفق برنامج منتظم. كما يخضع لفحوصات بيطرية دورية، ويُعتنى بحوافره وأسنانه وشعره، ويُخصص له برنامج تدريب يحافظ على لياقته دون إرهاق.
وقبل المشاركة في المواسم يزداد الاهتمام بالحيوان من خلال تحسين نظامه الغذائي، وتنظيفه وتزيينه وتجهيزه بالسرج والعدة التقليدية التي تعكس جمال الفروسية المغربية.
تبلغ مسؤولية عود السلاح ذروتها خلال “الهدة”، حيث تنطلق الخيول بسرعة كبيرة في خط مستقيم، مع الحفاظ على انتظام الصف. وفي اللحظة الأخيرة، يتوقف الحصان بقوة وثبات بينما يطلق الفارس البارود في توقيت موحد مع باقي أفراد السربة.
وهنا تظهر قيمة الحصان الحقيقي فعود السلاح المتمرس لا يتراجع عند صوت الانفجار ولا يخرج عن الصف، ولا يفقد توازنه بل يظل ثابتاً حتى نهاية العرض، وهو ما يمنح السربة جمالها وهيبتها.
لا يمثل عود السلاح مجرد وسيلة للنقل أو أداة في عرض فلكلوري، بل هو جزء من الذاكرة الجماعية للمغاربة، ورمز للفروسية والشجاعة والوفاء. وقد أسهم عبر عقود طويلة في الحفاظ على تقاليد التبوريدة التي توارثتها الأجيال، لتبقى شاهداً على ارتباط الإنسان المغربي بخيله، وعلى مكانة الحصان في الثقافة والتراث الوطني.



