









عندما يصمت المسؤول.. من يملأ فراغ المعلومة؟
الوكالة
2026-07-31

عبد الغني جبران
في أوقات الأزمات، لا يكفي أن تتحرك مؤسسات الدولة على الأرض، بل يجب أن تتحرك أيضًا في فضاء التواصل. فالكلمة الرسمية ليست مجرد تصريح إعلامي، بل أداة لإدارة الأزمة، وطمأنة المواطنين، وحماية الرأي العام من سيل الإشاعات والأخبار المضللة.
الأحداث التي عرفتها مدينة الفنيدق، وما رافقها من محاولات للهجرة غير النظامية نحو سبتة، وما أثير بشأن ضحايا ومصابين، لم تكن حادثًا عابرًا. لقد تحولت إلى قضية رأي عام، داخل المغرب وخارجه، وأعادت إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول واقع الشباب، كما طرحت تساؤلات أخرى لا تقل أهمية: أين كان التواصل الحكومي؟
في مثل هذه اللحظات، كان الرأي العام ينتظر خروجًا رسميًا من الحكومة، سواء عبر رئيسها عزيز أخنوش، أو الوزراء المعنيين، أو الناطق الرسمي باسم الحكومة، لتقديم معطيات دقيقة، وشرح التدابير المتخذة، وتوضيح ما هو مؤكد وما يزال قيد التحقق. فالمواطن لا يطلب المستحيل، وإنما يطلب حقه في الوصول إلى المعلومة الموثوقة.
لكن غياب التواصل الرسمي، أو محدوديته، ترك فراغًا إعلاميًا واسعًا، سارعت منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الأجنبية إلى ملئه، فتداخلت الوقائع مع الإشاعات، وتضاربت الأرقام، واختلطت المعلومات المؤكدة بالتكهنات، في مشهد لا يخدم حق المواطنين في المعرفة ولا يساعد على إدارة الأزمة بهدوء ومسؤولية.
وفي المقابل، شهدت الساحة الإعلامية الإسبانية حضورًا رسميًا لجهات حكومية وأمنية قدمت معطيات وتحيينات بشأن تطورات الوضع والإجراءات المتخذة. ولا يتعلق الأمر هنا بالمقارنة بين مواقف الدول، بل بإبراز أهمية التواصل المؤسساتي المنتظم خلال الأزمات، لما له من دور في بناء الثقة وتوفير المعلومة من مصدرها الرسمي.
ومن منظور حقوقي، فإن الحق في الحصول على المعلومة، كما يكفله الدستور والقوانين المنظمة، يكتسب أهمية أكبر كلما تعلق الأمر بأحداث تمس حياة المواطنين وسلامتهم. فالصمت في مثل هذه الحالات لا يترك المجال للتأويل فقط، بل قد يضعف الثقة في المؤسسات ويمنح الإشاعة فرصة لتصبح مصدرًا بديلًا للمعلومة.
إن الحكومة مطالبة، في مثل هذه المحطات، بأن تكون حاضرة بالفعل والكلمة معًا؛ بالفعل عبر تدبير الأزمة، وبالكلمة عبر التواصل المنتظم والشفاف. فبيان رسمي، أو ندوة صحفية، أو إحاطة إعلامية دورية، قد تكون كافية لتوضيح الحقائق، وتصحيح المغالطات، والتعبير عن التضامن مع الأسر المتضررة.
إن إدارة الأزمات لا تُقاس فقط بعدد القرارات المتخذة، بل أيضًا بقدرة المسؤولين على التواصل مع المواطنين في الوقت المناسب. فحين يغيب الصوت الرسمي، ترتفع أصوات أخرى، وقد لا تكون دائمًا دقيقة أو مسؤولة.
ويبقى السؤال مشروعًا: هل تحتاج الحكومة إلى مراجعة سياستها التواصلية في الأزمات، حتى لا يظل المواطن يبحث عن أخبار وطنه في مصادر أخرى، بينما ينتظر من مؤسساته أن تكون أول من يخاطبه وآخر من يتركه فريسة للإشاعة؟




