









عبد الوهاب الدكالي.. الظهور الأخير بالمهرجان الدولي للتشكيل بسطات
الوكالة
2026-05-22

عبد الرحيم الراوي
“مشا غزالي ولا رجع، وخوات الدار علينا.. آش من طريق يا ناس تبع نمشيوها على عينينا، خلى العين كتدمع وخلى القلب فيه غبينة..” كلمات خالدة غناها الأستاذ العبقري عبد الوهاب الدكالي بإحساس فني عميق، فعادت اليوم بقوة لتتصدر عناوين الصحف الوطنية والعربية، وكأنها تختصر صدمة جمهور فقد واحدا من أعمدة الأغنية المغربية، وأحد الأصوات التي عبرت حدود الوطن لتلامس وجدان المستمع العربي والإنساني على حد سواء.
خلال الفعاليات الأخيرة للمهرجان الدولي للفنون التشكيلية بسطات، كشف الفنان عبد الوهاب الدكالي عن جانب آخر من موهبته الفنية عبر تقديمه لوحتين تشكيليتين؛ الأولى تجسد بورتريها لعالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي، والثانية مستوحاة من أعمال الرسام العالمي فان غوخ.
وقد أثارت اللوحتان اهتمام عدد كبير من زوار المعرض الذي احتضنه مقر جمعية “بصمات”، ومن بينهم الفنان حسن الفد، المعروف بعلاقته الوثيقة بالفن التشكيلي، حيث توقف مطولا أمام لوحة فان غوخ، مستفسرا عبد الوهاب الدكالي عن تفاصيل دقيقة تعكس حسا تشكيليا وخبرة فنية رفيعة، وظهر عبد الوهاب الدكالي، في تلك اللحظات، فنانا شاملا، لا يكتفي بالغناء، وإنما يواصل البحث عن الجمال في كل تجلياته، بعين الرسام وروح الموسيقي وعمق الإنسان الذي ظل وفيا للفن حتى آخر العمر.
وكان بيت الفنانة التشكيلية ربيعة الشاهد يحتضن على مدى أيام المهرجان، جلسات جمعت فنانين ومثقفين ونقادا مغاربة وأجانب، كانوا يجدون في الجلوس إلى جانبه لحظة فنية وإنسانية مفعمة بالألفة، تستعاد خلالها الذكريات وتروى الحكايات وسط أجواء خاصة لا يمنحها ذلك الصفاء إلا حضور القامات الفنية.

كان الراحل يسأل، في كل مرة، عن الوضع الصحي لصديقه الفنان أحمد بنيسف، الذي كان قد أصيب بوعكة صحية ألزمته الفراش لبضعة أسابيع، قبل أن يكشف عبد الوهاب الدكالي عن مفاجأة الدورة الحادية والعشرين، والمتمثلة في بورتريه للفنان التشكيلي أحمد بنيسف، مرفوق بكلمات ودية جميلة في حقه، وكأنه يصر على تكريمه والاحتفاء به.
وقد عكست هذه الالتفاتة حجم المحبة والتقدير الذي كان يكنه الراحل لصديقه أحمد بنيسف، أحد الوجوه البارزة في عالم التشكيل، حتى بدا ذلك الإهداء من يد عبد الوهاب الدكالي أشبه بتحية وداع إنسانية صادقة.
كان الراحل يثني على حسن التنظيم، وعلى أهمية نشر الثقافة البصرية بمدينة أصبحت تعاني التهميش على مستويات عدة، كما أبدى في أكثر من مناسبة، أسفه لاختفاء مؤسسات صناعية كبرى مثل شركة “كريسطال” التي كانت تساهم في دعم الفن بمدينة سطات، وتنخرط بسخاء في أعمال خيرية تستهدف الفئات المعوزة، متحسرا على مصير شباب المنطقة والأسر التي تضررت بسبب الإغلاق، وهو ما كان يكشف عن حسه الإنساني العميق واهتمامه الصادق بالأوضاع الاجتماعية، إلى جانب وطنيته الصادقة وحبه الكبير للمغرب.
في أحد أيام المهرجان، وبينما كنا نعود رفقته من بيت الفنانة ربيعة الشاهد إلى الفندق، بمعية الأستاذ مصطفى أحريش، استوقفته شجرة زيتون.. قطف منها حبة وتذوقها بنشوة، ثم اختصر إحساسه بكلمات بسيطة وعميقة: “رغم مرارتها، الحمد لله على هذا البلد الطيب”، قبل أن يضيف قائلا: “مثل هذه الطبيعة لا توجد في بعض الدول التي سبق لي أن زرتها في الوطن العربي”.
برحيل الفنان عبد الوهاب الدكالي، يفقد المغرب جزءا من ذاكرته الموسيقية، كما يفقد المهرجان الدولي للفنون التشكيلية بسطات فنانا كان ينثر الدفء والمحبة أينما حل، ويزرع الثقة والفرح في نفوس المنظمين والمشاركين، إذ أن الراحل ظل على مدى سنين عضوا شرفيا وضيفا وفيا للمهرجان، لكن شاءت الأقدار أن ينطفئ نوره حين اطفأ المهرجان الدولي للفنون التشكيلية شمعته العشرين.



