صرخات صيفية في بركة الموت.. حين غرق الحلم في مياه جماعة سعادة

الوكالة

1970-01-01

بدر قلاج |

في يوم عيد الأضحى المبارك، وعلى مشارف بداية فصل الصيف، حين تتزين القرى بأهازيج العيد وتفيض الأزقة بضحكات الأطفال، خيّم الصمت على ضيعة فلاحية تابعة لجماعة سعادة، وتحولت الفرحة المنتظرة إلى مأتم مفتوح.

لم تكن الأجواء توحي بما هو آتٍ، حتى وقعت الفاجعة التي ستظل محفورة في ذاكرة المكان: ثلاثة فتية، لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة، ابتلعتهم بركة مائية مخصصة للسقي، بينما كانوا يحاولون السباحة هربًا من حرارة النهار وسأم الأيام المتكررة.

في لحظة خاطفة، عبر الشبان الثلاثة السياج الحديدي الذي وضعه المسؤولون عن الضيعة الزراعية، ودخلوا إلى محيط الحوض المائي. لم تكن لديهم نية العبث، بل فقط بحثوا عن لحظة راحة، أو فرصة للهروب من حرارة صيف قاسٍ، ومن غياب فضاءات الترفيه. ربما لم يتخيلوا أن مياه الحوض، التي تبدو هادئة على السطح، تخفي في عمقها كمينًا قاتلًا، لن يمنحهم حتى فرصة الندم.
حين اختفى أثرهم، أُبلغت السلطات التي هرعت إلى مكان الحادث. حضر باشا دائرة سعادة، وقائد قيادة سعادة، ورئيس مركز الدرك الملكي، إلى جانب عناصر الوقاية المدنية، الذين شرعوا في عمليات البحث والانتشال. بعد جهد مؤلم، تم العثور على الجثث الثلاث، وقد بدت عليها آثار الغرق المؤكد. نُقلت الجثامين إلى مستودع الأموات بأبواب مراكش، وجرى فتح تحقيق رسمي لمعرفة تفاصيل الحادث، وتحديد المسؤوليات.
لكن الحادث، رغم مرارته، يثير من جديد أسئلة أعمق من مجرد حدود التحقيق الإداري. هل يكفي أن يُحاط حوض مائي بسياج بسيط؟ وهل وجود لوحة تحذيرية – إن وُجدت – قادرة على منع فتيان في مقتبل العمر من المخاطرة بحياتهم بحثًا عن المتعة؟ أم أن الواقع الاجتماعي الذي يدفعهم لهذا النوع من المغامرات هو ما يجب أن يُوضع تحت المجهر؟
حادثة الغرق هذه، وإن بدت فردية أو ناتجة عن تهور مراهقين، إلا أنها مرآة لمجتمع لا يوفر الحد الأدنى من شروط السلامة، ولا يتيح للأطفال والشباب فرص الترفيه في بيئات آمنة. ففي جماعة سعادة، كما في عشرات الجماعات المشابهة، تغيب المسابح العمومية، وتندر الحدائق، وتنعدم البدائل التربوية والترفيهية. يظل الحوض المائي، الوادي، أو القناة، هو “المتنفس” الوحيد، ولو كان قاتلًا.
وفيما تتجه الأنظار إلى السياج الحديدي المحيط بالحوض، يُغفل كثيرون أن السياج الحقيقي هو ذلك الذي يحيط بأحلام هؤلاء الفتية: سياج التهميش، والإقصاء، وانعدام الخيارات. فكم من مرة سمعنا بحوادث مشابهة؟ وكم من ضحية سقطت دون أن تتحرك الجهات المعنية لتغيير الواقع؟ وما الجدوى من فتح تحقيقات لا تؤدي إلا إلى الأرشيف، دون إجراءات وقائية حقيقية على الأرض؟
إن الفاجعة لا تقاس فقط بعدد الضحايا، بل بغياب الضمانات التي تحمي من تكرارها. وما دام الشبان يُضطرون إلى تسلق الأسوار بحثًا عن بركة ماء، فذلك يعني أن هناك خللًا بنيويًا لا يعالجه الحذر الفردي، بل السياسات العمومية والرؤية الجماعية للعيش الكريم في المجال القروي.
في بركة ماء صامتة، غرق ثلاثة أرواح، لكن معهم غرقت أسئلة، وصرخات، وأحلام صغيرة كانت تطمح فقط إلى لحظة انتعاش في يوم عيد. وما لم نتحرك اليوم، فستتكرر الحكاية غدًا، بأسماء جديدة، وحزن جديد، في قرية أخرى… وربما على مشارف عيد آخر.

تصنيفات