سلامة مؤكدة وخطر مفتعل… بناية تراثية بالدار البيضاء بين تقارير تقنية وشبهة التخريب

الوكالة

2026-05-05

اشرف مجدول

في قضية تثير اهتمام المهتمين بالتراث المعماري بالدار البيضاء، كشفت وثائق حصلت عليها الجريدة أن المبنى الواقع بزاوية شارعي عبد الله بن ياسين والملازم محمد المحرود بمقاطعة الصخور السوداء، والذي يعد من ضمن البنايات ذات القيمة التاريخية والمشكلة بواجب الحماية، لا يعاني من أي خلل بنيوي يهدد استقراره أو يجعله معرضا للسقوط، وذلك وفق خبرتين تقنيتين مستقلتين أنجزتهما جهتان مختلفتان. الأولى صادرة عن المختبر العمومي للتجارب والدراسات (LPEE) – المركز العلمي والتقني للبناء – خلال شهر فبراير 2026 بناءا على طلب من قاطني البناية والمستغلين لها، حيث أكدت الفرق التقنية بعد معاينة ميدانية شاملة للعقار الكائن بـ 133 شارع عبد الله بن ياسين بلفدير أن الهيكل الحامل للبناية في حالة حفظ مرضية واحترام للقواعد السليمة للتصميم، وأن التلفيات الموجودة (تأكل حديد التسليح في بعض العناصر غير الأساسية بسبب تسرب المياه، وتقشر الخرسانة في مناطق محدودة) لا تمس الاستقرار الحالي للبناء، وأن مداها يبقى محدودا وذا أهمية قليلة مقارنة بالمساحات الإجمالية للعقار، مقترحة مجموعة من الإصلاحات البسيطة كإزالة قطع الخرسانة سيئة الالتصاق تفاديا لسقوطها على المارة، وإعادة تأهيل نظام العزل المائي للأسطح، ومعالجة حديد التسليح وإعادة الخرسانة في المناطق المتضررة، وصيانة شبكة السباكة والمزاريب، وإصلاح النجارة والدهانات، وهي كلها أشغال توصف بأنها صيانة وقائية وليست ترميما كبيرا ولا هدما بأي حال من الأحوال. أما الخبرة الثانية، فصادرة عن خبير قضائي محلف لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، أنجزها بتاريخ 24 فبراير 2026 بناءا على طلب تقدم به محامٍ نيابة عن ساكنة وأصحاب المحلات التجارية للعقار، وقد تضمنت مهمة الخبير معاينة البناء ووصفه، والتأكد من عدم وجود تصدعات أو أي علامات تدل على ضعف البناء، والتأكد مما إذا كان هذا البناء في حالته الراهنة قابلا للسقوط، وهل هناك أجزاء لا تشكل خطرا على سلامة البناء ولكن يمكن ترميمها، وخلص التقرير إلى أن البناية لا تهدد بالانهيار ولا تعاني من أخطار بنيوية. وهاتان الخبرتان المستقلتان تتطابقان في النتائج، مما يعزز بشكل قوي الاستنتاج القائل إن المبنى لا يحتاج سوى إلى إصلاحات طفيفة ولا يوجد أي مبرر تقني للتفكير في هدمه. هذا التطابق بين خبرتين من جهتين مختلفتين تماما.(مؤسسة عمومية متخصصة وخبير قضائي محلف) يتناقض بشكل صارخ مع ما يشاع عن وجود خطر بنيوي أو حاجة إلى هدم البناية، وهو ما عزز شكوك السكان والجمعيات المدنية بوجود مخطط مبيت لهذا العقار الذي يحتل موقعاً استراتيجياً بالدار البيضاء. وكان “المرصد الوطني لتحقيق الحياة العامة ومحاربة الفساد” قد وجه شكاية إلى وزير الداخلية يتهم فيها مجهولين بالقيام بأعمال تخريب ممنهجة ضد البناية، تمثلت في إزالة النوافذ وإحداث ثقوب في الواجهات بشكل متعدد، في محاولة لخلق واقع تدهور مصطنع يتم استغلاله لاحقا لتبرير قرار الهدم، وهو ما اعتبره المرصد مساسا.خطيرا بمعايير التنمية المدنية وخرقا واضحاً للقوانين المنظمة لحماية المآثر التاريخية. وتؤكد وثيقة إدارية صادرة عن الوكالة الحضرية للدار البيضاء أن العقار يقع في منطقة A ضمن القطاع A7 وفق تصميم التهيئة المصرح به بموجب المرسوم رقم 2.14.211، وأن المبنى يحمل صفة “بناية تراثية يتعين الحفاظ عليها”، مما يجعله خاضعاً بشكل كامل لقانون حماية التراث الثقافي رقم 22.80، الذي يمنع منعا باتا.هدم أو حتى تغيير واجهة أي بناء مصنف إلا في حالات استثنائية جدا تتعلق بالخطر الداهم على السلامة العامة، وبعد خبرة فنية رسمية تثبت ذلك وموافقة صريحة من وزارة الثقافة. وبالتالي، فإن أية محاولة للهدم أو حتى القيام بأعمال إصلاح أو ترميم دون ترخيص مسبق من الجماعة وموافقة وزارة الثقافة تعتبر مخالفة قانونية يعاقب عليها.
وبين خبرتي LPEE والخبير القضائي المحلف اللتين تنفيان أي خطر وتطالبان فقط بصيانة بسيطة، وبين الشكاية التي تتحدث عن تخريب ممنهج، وبين الاعتراف الرسمي للوكالة الحضرية بالطابع التراثي للبناية، تطالب الجمعيات المدنية والسكان الجهات المختصة بفتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤوليات وترتيب الإجراءات القانونية بحق كل من تورط في أعمال التخريب المسجلة، واتخاذ تدابير فورية لحماية البناية من أي عبث إضافي، وإصدار تعليمات صارمة للسلطات المحلية بمنع أي قرار بهدم أو تشويه لهذا الموروث المعماري الذي يشكل شاهدا على تاريخ الدار البيضاء وهويتها الحضرية، كما يدعون إلى الإسراع بإنجاز أعمال الصيانة البسيطة التي أوصت بها الخبرات الرسمية للحفاظ على المبنى في حالة جيدة قبل أن تستغل تسربات مياه الأمطار المقبلة كذريعة إضافية لتصفية هذا الصرح الذي يستحق الحماية وليس الهدم

تصنيفات