سكك الدار البيضاء تعيد رسم خريطة التنقل

الوكالة

2026-09-29

بعد مرور عام على إطلاق الملك محمد السادس برنامج المشاريع السككية المهيكلة للدار البيضاء الكبرى، بدأت ملامح التحول المرتقب في منظومة النقل بالمدينة ومحيطها تتضح، مع دخول عدد من الأوراش الكبرى مراحل متقدمة من الإنجاز، ضمن استثمار إجمالي يناهز 20 مليار درهم.

ويأتي هذا البرنامج في سياق ورش وطني أوسع لتطوير النقل السككي في أفق 2030، باستثمارات تصل إلى 96 مليار درهم، ويروم مواكبة التحولات العمرانية والاقتصادية التي تعرفها الدار البيضاء الكبرى، وتعزيز قدرة شبكة النقل على الاستجابة للنمو المتواصل في حركة المسافرين.

ويشمل البرنامج، على مستوى الحاضرة ومحيطها، إنجاز ثلاث محطات كبرى من الجيل الجديد، وعشر محطات مخصصة لقطارات القرب، إلى جانب إعادة تأهيل خمس محطات قائمة وإنشاء 260 كيلومتراً من الخطوط السككية الجديدة. كما يتضمن إحداث بنيات تقنية ولوجستيكية موازية، من بينها مركزان تقنيان وخمسة مراكز للصيانة، فضلاً عن اقتناء 48 قطاراً جديداً.

وتتقدم الأشغال حالياً في ثلاثة مشاريع محورية، يتعلق الأمر بمحطة الدار البيضاء–الجنوب، ومحطة مطار محمد الخامس، ومحطة الملعب الكبير الحسن الثاني ببنسليمان. ومن المرتقب أن تستغرق أشغال إنجاز كل محطة 24 شهراً، على أن تشكل هذه المنشآت الجديدة ركائز أساسية في إعادة تنظيم حركة القطارات وربط مختلف أنماط النقل داخل المجال الحضري والمناطق المحيطة به.

وتبرز محطة الدار البيضاء–الجنوب باعتبارها إحدى أهم حلقات الشبكة المستقبلية، بالنظر إلى تعدد أنواع القطارات التي ستستقبلها. وستكون المحطة مهيأة لاستقبال قطارات السرعة الفائقة، والقطارات الكلاسيكية والجهوية، إلى جانب قطارات القرب، بما يجعلها نقطة التقاء بين خدمات سككية مختلفة وموجهة إلى شرائح متعددة من المسافرين.

ولا يقتصر دور المحطة على استقبال القطارات، إذ يرتقب أن تشكل أيضاً قطباً متعدد الوسائط، من خلال ربطها مباشرة بشبكة الترامواي والحافلات ذات المستوى العالي من الخدمة، فضلاً عن شبكات الحافلات وسيارات الأجرة. ويستهدف هذا الربط تسهيل انتقال المسافرين بين مختلف وسائل النقل وتقليص الحواجز بين مكونات منظومة التنقل داخل الدار البيضاء.

وفي الاتجاه نفسه، ستضطلع محطة مطار محمد الخامس بدور أساسي في تعزيز الربط بين النقل الجوي والسككي، من خلال توفير اتصال مباشر بين المطار والشبكة السككية. كما يرتقب أن تساهم المحطة في إدماج قطب الدار البيضاء–النواصر ضمن منظومة التنقل الجديدة، بما يدعم الربط بين المطار والمجال الحضري والجهوي المحيط به.

أما محطة الملعب الكبير الحسن الثاني ببنسليمان، فتأتي ضمن المشاريع المرتبطة بمواكبة التحولات التي ستعرفها المنطقة خلال السنوات المقبلة. وستساهم المحطة في تدبير تنقل الجماهير خلال التظاهرات الرياضية الكبرى، خصوصاً في ظل الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030، إلى جانب توفير خدمة للنمو العمراني المرتقب في محيط بنسليمان.

وبالتوازي مع هذه المشاريع الكبرى، انطلقت أشغال إنجاز عشر محطات جديدة لقطارات القرب، موزعة على عدد من المناطق السكنية والاقتصادية داخل المجال الحضري وشبه الحضري. وتشمل قائمة المواقع المعنية المحمدية، وزناطة، وسيدي البرنوصي، وعين السبع، والحي المحمدي، ومرس السلطان، وسيدي معروف والنواصر.

وتكتسي محطات القرب أهمية خاصة في المنظومة الجديدة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالحاجيات اليومية للسكان، إذ تستهدف تقريب الخدمة السككية من الأقطاب السكنية ومناطق النشاط الاقتصادي، وتحسين إمكانية الوصول إلى شبكة القطارات بالنسبة إلى شرائح أوسع من مستعملي النقل العمومي.

ولا يتوقف البرنامج عند توسيع شبكة المحطات والخطوط، بل يشمل أيضاً تعزيز البنية التحتية التقنية الضرورية لضمان استمرارية الخدمة ورفع جاهزية الأسطول. وفي هذا الإطار، يتضمن المشروع إنشاء مركزين تقنيين وخمسة مراكز للصيانة، بالتوازي مع اقتناء 48 قطاراً جديداً، بما يتيح مواكبة التوسع المرتقب في العرض السككي.

ويعكس حجم الاستثمارات وتعدد مكونات البرنامج توجهاً نحو إعادة هيكلة منظومة التنقل في الدار البيضاء الكبرى على أساس التكامل بين وسائل النقل، بدل الاقتصار على توسيع الشبكة السككية في حد ذاتها. فالمحطات الجديدة ستؤدي أدواراً تتجاوز استقبال القطارات إلى الربط بين السكك الحديدية والترامواي والحافلات وسيارات الأجرة، بما يجعلها نقاطاً مركزية في شبكة تنقل متعددة الوسائط.

كما يرتبط هذا التحول بالنمو المتسارع للمجال الحضري للدار البيضاء وامتداده نحو مناطق جديدة للسكن والنشاط الاقتصادي، وهو ما يفرض توسيع خدمات النقل العمومي خارج المحاور التقليدية، وربط الأقطاب الجديدة بالشبكة الرئيسية.

ومن المنتظر أن يساهم دخول هذه المشاريع حيز الخدمة تدريجياً في توسيع التغطية الجغرافية للنقل السككي، وتحسين الولوج إلى مناطق السكن والعمل، ورفع قدرة الشبكة على استيعاب حركة المسافرين، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى وسائل نقل جماعي أكثر ترابطاً وانتظاماً داخل الدار البيضاء الكبرى.

وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد مشاريع لبناء محطات وخطوط جديدة، وإنما بإعادة تنظيم جزء أساسي من منظومة التنقل في العاصمة الاقتصادية، من خلال الجمع بين توسيع البنية التحتية، وتجديد الأسطول، وتعزيز مرافق الصيانة، وربط مختلف وسائل النقل ضمن شبكة واحدة أكثر تكاملاً، في أفق التحولات التي يرتقب أن تعرفها المنطقة وصولاً إلى سنة 2030.