“زهور حنصالي: أنثروبولوجيا الصمت بين ريشة الفن وضمير المجتمع”

الوكالة

2025-04-26

متابعة | بدر قلاج ـ مراكش

في زمنٍ تتسابق فيه الأضواء لالتقاط الوجوه، وتُستدر فيه الشهرة بصوتٍ عالٍ، تُطل علينا شخصية فريدة تسكن الهامش طواعية، وتختار أن تُبدع بعيدًا عن عدسات الإعلام وضجيج المنصات. زهور حنصالي ليست مجرد فنانة تشكيلية بارعة، ولا أستاذةً مُلهمة فحسب، بل هي نسيج متكامل من الوعي الجمالي والالتزام الاجتماعي، تنسج من الألوان والفعل الصامت مشروعًا حضاريًا عميقًا يستحق التأمل.

منذ بداياتها، أدركت حنصالي أن الفن ليس مجرد رفاهية بصرية أو لعبة تشكيلية، بل هو فعل مقاومة، وسؤال هوية، واستعادة لذاكرة المكان والإنسان. في لوحاتها، تهمس تفاصيل المغرب العميق، حيث تنبعث رمزية الألوان من التراث، وتُعيد ترتيب عناصر الهوية بأسلوب يتراوح بين الأصالة والتجديد. إنها لا ترسم لتُبهر، بل لتُذكّر، لا تُقلد بل تُحرر الفن من زخارفه الفارغة لتمنحه بعدًا وظيفيًا في الحكاية المجتمعية.

وبين جدران الفصول الدراسية، حملت زهور رسالتها التربوية بذات الالتزام. لم تكن الأستاذة التي تشرح الدرس فحسب، بل كانت البوصلة التي توجه طاقات الطلبة نحو الإبداع والبحث عن الذات من خلال الفن. لقد آمنت أن الفن هو اللغة المشتركة القادرة على تهذيب الذوق وتحرير الخيال، فحرصت على إشراك طلبتها في تجارب حية تُعيد للمدرسة دورها كفضاء للتكوين الشامل.

أما في مسارات العمل الجمعوي، فقد اتخذت حنصالي من الصمت فعلًا، ومن العطاء أسلوب حياة. نسجت شبكة مبادرات مجتمعية تحمل بعدها الفني، لكنها تتجاوز الجماليات نحو الوظيفة الاجتماعية للفن. نظّمت معارض خيرية، ورافقت مشاريع تنموية، وساهمت في تحسين واقع العديد من الفئات دون انتظار تصفيق أو تكريم. كانت فنانة تنحت الأثر لا التذكار.

زهور حنصالي ليست فقط نموذجًا لامرأة مغربية ناجحة، بل هي مشروع ثقافي متكامل يجمع بين الجمال والفكر، بين الفن والمجتمع، بين الذات والآخر. إنها تُجسد ما يمكن أن يُسمى “أخلاق الفن”، حيث تتحول الريشة إلى أداة للتحرير، والتعليم إلى فعل وجودي، والعمل الجمعوي إلى فعل استنقاذ للكرامة الإنسانية.

في النهاية، لا تُقاس عظمة الفنان بعدد المعارض أو التتويجات، بل بعمق الأثر الذي يتركه في الوعي الجمعي. وزهور حنصالي، بأعمالها وصمتها، قدّمت درسًا بليغًا في كيف يمكن للمرأة أن تكون صانعة للجمال، ومربية للوجدان، وبانيةً للغد، دون أن تنطق بكلمة… فقط، أن ترسم.