زلزال انتخابي بزاكورة.. وثيقة رسمية تجرّ وكالة الحوض المائي إلى قلب الجدل وتستدعي تدخل الداخلية

الوكالة

2026-08-22

محمد البشيري

في زاكورة، يبدو أن حرارة المشهد الانتخابي بدأت تتجاوز صناديق الاقتراع لتطرق أبواب الإدارة العمومية. وثيقة رسمية صادرة عن وكالة الحوض المائي لدرعة واد نون، تحمل تاريخ 11 غشت 2026، تضع اسماً وظيفياً تابعاً لمؤسسة عمومية في قلب عاصفة من الأسئلة، بعدما ربطت منشورات متداولة بأنشطة ذات طابع سياسي وحملة انتخابية لفائدة حزب معين. والأكثر إثارة أن المؤسسة لم تكتفِ بتسجيل الواقعة، بل طالبت بتوضيحات كتابية داخل أجل لا يتجاوز 24 ساعة، مستحضرة بشكل صريح مفاهيم الحياد الإداري وواجب التحفظ وعدم استعمال اسم المؤسسة أو صفتها في تقديم وعود أو التزامات انتخابية.

وحسب نسخة الوثيقة التي تتوفر وكالة الأنباء على نسخة منها، فإن القضية لا تبدو مجرد خلاف عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تفتح الباب أمام سؤال ثقيل: هل يتعلق الأمر بتواصل شخصي أُسيء فهمه، أم أن اسم مؤسسة عمومية ومشاريعها دخلت فعلاً إلى ملعب التنافس الانتخابي؟

هنا تحديداً ترتفع حرارة الملف، لأن المسألة، إن ثبتت وقائعها، لا تعود مرتبطة بمنشور أو موظف فقط، وإنما بحدود العلاقة بين الإدارة والسياسة، وبمدى احترام مبدأ حياد المرفق العمومي في لحظة انتخابية حساسة. ولذلك، فإن الوثيقة لا تضع المعني بالأمر وحده تحت دائرة الاستفسار، بل تضع الجهات المختصة أمام أسئلة أكبر: من يراقب؟ ومن يتحقق؟ وأين ينتهي الحق في التعبير، وأين تبدأ مسؤولية حماية المؤسسات العمومية من أي توظيف انتخابي؟

الوثيقة، الموجهة إلى مساعد تقني من الدرجة الثالثة يعمل بزاكورة، لا تقدم حكماً نهائياً في الواقعة، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتاً لارتكاب مخالفة، لكنها تكشف أن المؤسسة نفسها رأت في مضمون المنشورات ما يستوجب التوضيح، بعدما أشارت إلى ما اعتبرته تصريحات وترويجاً لمشاريع والتزامات ووعود لفائدة المواطنين، مع الإيحاء أو التصريح بكونها باسم وكالة الحوض المائي لدرعة واد نون.

ومن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

فإذا كان الأمر يتعلق، كما ورد في الاستفسار، باستعمال الصفة الوظيفية أو اسم المؤسسة العمومية في سياق تواصل ذي طبيعة انتخابية، فإن القضية تتجاوز حدود منشور على فيسبوك أو منصة اجتماعية، لتلامس واحدة من أكثر المناطق حساسية في تدبير المرفق العمومي: حدود الفصل بين الصفة المهنية والممارسة السياسية، وبين المؤسسة العمومية والحملة الانتخابية.

والأكثر إثارة في الوثيقة أن وكالة الحوض المائي لدرعة واد نون لم تكتف بالإشارة إلى المنشورات، بل ذكّرت صراحة بكونها مؤسسة عمومية، وبضرورة التحلي بالحياد واحترام واجب التحفظ، مع التأكيد على ضرورة الفصل الواضح بين المهام المهنية وأي أنشطة ذات طابع سياسي، وعدم استعمال صفة الوكالة أو اسمها أو اسم أو تمثيلها لتقديم أي وعود أو التزامات لفائدة أي جهة أو أشخاص.

وبلغة إدارية واضحة، طلبت الوكالة من المعني بالأمر تقديم توضيحات كتابية بشأن مدى صحة ما ورد في تلك المنشورات، وبيان ما إذا كان قد استعمل صفته الوظيفية أو اسم الوكالة في إطار تلك الأنشطة أو التصريحات، وحددت لذلك أجلاً أقصاه أربع وعشرون ساعة من تاريخ توصله بالاستفسار.

لكن بعيداً عن جواب الموظف المعني، الذي يبقى حقه في التوضيح والرد مكفولاً، فإن الوثيقة تفتح سؤالاً أوسع بكثير من حدود الملف الإداري الفردي.

من يراقب حدود استعمال أسماء المؤسسات العمومية خلال الفترات الانتخابية؟

ومن يضمن ألا تتحول مشاريع الدولة وبرامج المؤسسات العمومية إلى مادة للدعاية الانتخابية؟

وهل يكفي الاستفسار الإداري الداخلي عندما يتعلق الأمر، بحسب ما ورد في وثيقة رسمية، بمنشورات ذات صلة بحملة انتخابية لفائدة حزب معين؟

ثم، هل كانت هذه المنشورات مجرد اجتهاد شخصي معزول، أم أن الأمر يستحق التحقق من سياقها ومضامينها والجهات التي ظهرت أو استفادت منها؟

أسئلة لا ينبغي أن تبقى معلقة، خصوصاً في سياق انتخابي تصبح فيه الحدود بين العمل المؤسساتي والتواصل السياسي أكثر حساسية، وتصبح معه أي إشارة إلى مؤسسة عمومية أو مشروع عمومي قابلة للتأويل والتوظيف السياسي.

فالانتخابات، مهما كانت طبيعتها ومستوياتها، تحتاج إلى قواعد واضحة وإلى مسافة واحدة من الإدارة تجاه جميع المتنافسين. والمؤسسات العمومية ليست ملكاً انتخابياً لأي جهة، ولا ينبغي أن تتحول أسماؤها أو مشاريعها أو صفتها الاعتبارية إلى رصيد انتخابي أو وسيلة لإضفاء الشرعية المؤسساتية على وعود أو تصريحات سياسية.

وإذا كانت الوثيقة لا تثبت، في حد ذاتها، وقوع مخالفة، فإنها تثبت شيئاً واحداً لا يحتاج إلى تأويل: هناك واقعة رأت المؤسسة المعنية أنها تستوجب الاستفسار والتوضيح، وهناك حديث صريح في مراسلة رسمية عن الحياد وواجب التحفظ وعدم استعمال صفة الوكالة أو اسمها في تقديم التزامات لفائدة أي جهة أو أشخاص.

وهنا تحديداً يصبح تدخل وزارة الداخلية، ومعها الجهات المختصة، أمراً جديراً بالطرح، ليس من باب إصدار الأحكام المسبقة، وإنما من باب حماية نزاهة العملية الانتخابية وصورة الإدارة العمومية، والتحقق من حقيقة ما ورد في المنشورات المشار إليها في الوثيقة، ومن طبيعة الوعود أو التصريحات التي تم تداولها، وما إذا كان اسم مؤسسة عمومية أو صفة موظف عمومي قد استُعملت فعلاً في سياق انتخابي.

كما أن فتح تحقيق موضوعي، إن ارتأت الجهات المختصة ذلك، لا ينبغي النظر إليه باعتباره إدانة مسبقة لأي طرف، بل باعتباره آلية للتحقق وكشف الحقيقة، سواء لتأكيد وجود اختلال يستوجب ترتيب الآثار القانونية والإدارية المناسبة، أو لنفي أي توظيف غير مشروع للصفة أو اسم المؤسسة وإنصاف المعني بالأمر.

فالسكوت عن مثل هذه الوقائع، إن صحت، قد يفتح الباب أمام خلط خطير بين الإدارة والسياسة؛ بينما التحقيق الهادئ والموضوعي، إن لم تثبت المخالفة، كفيل أيضاً بإنصاف المعني بالأمر ووضع حد لأي تأويل أو توظيف للوثيقة.

المطلوب إذن ليس التشهير بأحد، ولا تحويل الاستفسار الإداري إلى إدانة مسبقة، وإنما فتح الحقيقة على مصراعيها.

إن كانت مجرد منشورات أسيء فهمها، فليُكشف ذلك.

وإن كان الأمر يتعلق فعلاً باستعمال صفة أو اسم مؤسسة عمومية في سياق انتخابي، فالسؤال يصبح أكبر من موظف ومنشور، ويصبح متعلقاً بحدود حياد الإدارة، وبضرورة حماية المؤسسات العمومية من أي توظيف انتخابي.

وفي كل الحالات، تبقى الكرة في ملعب الجهات المختصة: هل ستُفتح عملية تحقق مستقلة تكشف الحقيقة كاملة، أم سيظل الملف محصوراً في استفسار إداري من 24 ساعة، بينما الأسئلة الأهم تظل معلقة؟

لأن اسم الإدارة العمومية ليس ورقة انتخابية، ومشاريع الدولة ليست وعوداً انتخابية، والحياد الإداري لا ينبغي أن يكون مجرد عبارة تُستحضر في المراسلات، بل قاعدة تُحترم عندما تقترب صناديق الاقتراع.

تصنيفات