زاكورة: طريق كتاوة في مهبّ الريح… لماذا بدأ المشروع ثم توقفت الأشغال؟

الوكالة

2026-08-21

محمد البشيـري

في منطقة نائية تتقاطع فيها صعوبة التضاريس مع محدودية البنية التحتية، لم يعد مشروع الطريق الرابطة بين دواوير ترمرومة ومكيد ومركز الجماعة الترابية كتاوة مجرد ورش تقني لإنجاز مسلك قروي، بل تحول إلى قضية تشغل الساكنة المحلية، بعدما توقفت الأشغال في ظروف أثارت عدداً من التساؤلات، ودَفعت السكان إلى تنظيم تحركات سلمية للمطالبة بإيجاد حل يضمن استكمال المشروع أو اعتماد صيغة بديلة تحقق الغاية التنموية منه.

فالطريق التي لا يتجاوز الجزء المتوقف من أشغالها حوالي 30 كيلومتراً، تمثل بالنسبة إلى سكان المنطقة منفذاً أساسياً نحو المدرسة والمستوصف والسوق الأسبوعي ومختلف المصالح والخدمات. كما أن إنجازها من شأنه أن يسهم في تسهيل تنقل الأشخاص ونقل المنتجات الفلاحية، ويفتح أمام المنطقة آفاقاً أوسع للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وتتضح أهمية المشروع أكثر بالنظر إلى المسافة التي يضطر السكان إلى قطعها حالياً للوصول إلى مقر الجماعة، والتي تقدر، وفق معطيات محلية، بحوالي 170 كيلومتراً مروراً بزاكورة. وهو فارق لا يعكس فقط طول الطريق، بل يترجم يومياً إلى وقت إضافي وتكاليف أكبر ومشقة خاصة بالنسبة إلى المرضى والتلاميذ والأسر والفلاحين.

وتفيد معطيات محلية بأن المسلك الذي يرتبط به المشروع ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يعود إلى فترة الاستعمار، وظل مستخدماً من طرف السكان لعقود، وهو ما يعيد إلى الواجهة السؤال حول المراحل التي سبقت إطلاق المشروع، وطبيعة الدراسات التي أنجزت، ومدى التنسيق بين مختلف المصالح المتدخلة قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

وبحسب المعطيات المتداولة محلياً، فإن تحفظات مرتبطة بطبيعة المنطقة ومسار الطريق ظهرت بعد بلوغ المشروع مراحل متقدمة، وبعد الإعلان عن طلب تقديم العروض وإصدار أمر الخدمة، قبل أن تتوقف الأشغال أمام إشكال يستدعي، وفق هذه المعطيات، إعادة النظر في المسار.

وهنا يطرح الواقع سؤالاً مشروعاً لا يحمل في حد ذاته أي اتهام: إذا كانت هناك اعتبارات خاصة مرتبطة بمسار الطريق، ألم يكن من الأجدى حسمها خلال مرحلة الدراسة والتنسيق، وقبل إطلاق طلب تقديم العروض وإصدار أمر الخدمة، حتى لا يصل المشروع إلى مرحلة التنفيذ ثم يجد نفسه أمام عراقيل تعطل مساره؟

إن طرح هذا السؤال لا ينتقص بأي شكل من الأشكال من أهمية الاعتبارات المرتبطة بالأمن والدفاع الوطني، وهي اعتبارات تحظى بالاحترام الكامل، وإنما يفتح نقاشاً حول حكامة المشاريع العمومية وفعالية التنسيق القبلي بين مختلف المتدخلين، بما يضمن معالجة الإكراهات قبل وصول المشاريع إلى مراحل متقدمة من الإنجاز.

وتشير الساكنة، في السياق ذاته، إلى أن المنطقة تبعد عن الحدود المغربية الجزائرية بحوالي 19 كيلومتراً. ومع استحضار خصوصية الموقع، يبقى التحدي الحقيقي هو إيجاد صيغة عملية تتيح التوفيق بين متطلبات التنمية المحلية ومختلف الاعتبارات المرتبطة بطبيعة المنطقة، دون وضع أحدهما في مواجهة الآخر.

فالتنمية والأمن ليسا طرفين متعارضين، والغاية من إثارة الموضوع ليست فتح باب للتجاذب، وإنما البحث عن حل واقعي يراعي جميع الاعتبارات، ويمنح سكان ترمرومة ومكيد منفذاً طرقياً آمناً وسالكاً يضع حداً لمعاناتهم مع العزلة.

وقد دفعت هذه الوضعية عدداً من أبناء المنطقة إلى تنظيم تحركات سلمية، تعبيراً عن انشغالهم بمآل المشروع، ورغبتهم في أن تجد القضية طريقها إلى الحل من خلال الحوار والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

والرسالة التي تحملها هذه التحركات تبدو واضحة: الساكنة تريد طريقاً.

طريقاً تختصر المسافات، وتيسر وصول التلاميذ إلى المؤسسات التعليمية، وتمكن المرضى من الوصول إلى الخدمات الصحية، وتخفف عن الأسر تكاليف التنقل، وتساعد الفلاحين على تسويق منتجاتهم، وتمنح المنطقة فرصة أكبر للاندماج في محيطها الاقتصادي والاجتماعي

ومن هنا، فإن استمرار توقف المشروع يجعل من الضروري فتح نقاش جدي حول مآله، سواء عبر إعادة دراسة المسار الحالي، أو اعتماد مسار بديل، أو البحث عن صيغة تقنية توافقية تستجيب لمختلف المتطلبات وتضمن تحقيق الهدف الأساسي من المشروع.

كما يظل من حق الرأي العام المحلي معرفة المسار الإداري والتقني الذي سبق إطلاق المشروع، والجهات التي شاركت في دراسته، وكيف تم التنسيق بين المتدخلين قبل الإعلان عن طلب تقديم العروض وإصدار أمر الخدمة.

ولا يتعلق الأمر بالبحث عن جهة لتحميلها المسؤولية أو إصدار أحكام مسبقة، وإنما باستجلاء المعطيات الكاملة وتحديد مكامن الخلل، إن وجدت، بما يساعد على تفادي تكرار مثل هذه الوضعيات مستقبلاً، خصوصاً في المشاريع التي تنجز داخل مجالات ذات خصوصية جغرافية أو أمنية.

وفي انتظار توضيحات رسمية من الجهات المعنية، تبقى المعطيات المتداولة محلياً بحاجة إلى التعامل معها بالتحفظ المهني اللازم، خاصة فيما يتعلق بالأسباب الدقيقة وراء توقف الأشغال وطبيعة التحفظات المرتبطة بمسار الطريق.

غير أن واقع الحال، وفق ما تنقله الساكنة، هو أن سكان ترمرومة ومكيد ما زالوا يواجهون صعوبات كبيرة في التنقل، فيما تظل الطريق بالنسبة إليهم حاجة أساسية وليست مشروعاً هامشياً أو مطلباً ثانوياً.

وبذلك، يصبح الرهان اليوم هو تجاوز مرحلة الانتظار والبحث عن مخرج عملي يجمع بين احترام مختلف الاعتبارات وبين الاستجابة لحاجة السكان إلى فك العزلة وتحسين شروط الولوج إلى الخدمات الأساسية.

فمشروع لا يتجاوز الجزء المتوقف منه 30 كيلومتراً، ويمكن أن يختصر على السكان مساراً يصل إلى نحو 170 كيلومتراً، لا ينبغي أن يبقى رهين الانتظار دون أفق واضح للحل.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً عملياً: هل يمكن أن تتحول هذه الوضعية إلى فرصة لإعادة ترتيب التنسيق بين مختلف المتدخلين، وإيجاد مسار توافقي يضمن استئناف المشروع، ويمنح ترمرومة ومكيد طريقاً طال انتظاره، دون أن يكون ذلك على حساب أي اعتبار آخر؟

ذلك هو الحل الذي تنتظره الساكنة، وذلك هو أيضاً الطريق الأقصر نحو إنهاء هذا الملف.

وتؤكد الجريدة أن إثارة هذا الموضوع لا تستهدف أي مؤسسة أو مسؤول، وإنما تأتي في إطار رسالتها الإعلامية الرامية إلى نقل انشغالات المواطنين، وإتاحة الفرصة أمام الجهات المختصة لتوضيح الحقائق، انسجاماً مع مبادئ الصحافة المهنية القائمة على التحري والدقة واحترام حق الرد.

كما تحرص وكالة الأنباء على أن بابها يظل مفتوحاً لكل الجهات المعنية، سواء للرد أو التوضيح أو التصحيح، وفقاً لما تمليه قواعد الصحافة الجادة والمسؤولة. ونحن مستعدون لنشر أي توضيحات رسمية، في احترام تام لحق المواطن في المعلومة، ولمبدأ التوازن والحياد.

تصنيفات