زاكورة..دموع في قفص الاتهام ونهاية ملف“عصابة الكنوز” بضريح بوعسرية

الوكالة

2026-02-16

محمـد البشيــري

دخلت قضية التنقيب غير المشروع داخل ضريح “بوعسرية” بجماعة البليدة، قيادة ترناتة بإقليم زاكورة، مرحلة حاسمة، بعد أن قررت المحكمة الابتدائية، زوال اليوم، حجز الملف للتأمل والنطق بالحكم خلال جلسة 2 مارس 2026، عقب جلسة اتسمت بتفاصيل مثيرة ومواجهات مباشرة، امتزج فيها القانوني بالإنساني، والعقلاني بالتراجيدي.

ووفق مصادر مطلعة لجريدة الوكالة، فقد تقرر حجز ملف المتابعة عدد 8/2106/2026، المرتبط بقضية الإخلال باحترام واجب الموتى في مكان مخصص للدفن، في ظل تضارب واضح في تصريحات المتهمين، ما جعل قاعة المحكمة تتحول إلى فضاء مكثف للأسئلة الثقيلة، والصمت المربك، والانتظار القلق.

ويتابَع في هذا الملف كل من (ر.ع) و(ن.م)، في سياق وقائع أثارت اهتماماً واسعاً محلياً، بالنظر إلى حساسيتها الدينية والاجتماعية. وخلال الجلسة، اختار المتهمان التراجع عن تنصيب الدفاع، مكتفيين بالمرافعة عن نفسيهما، في عزلة قانونية بدت معها ملامح الارتباك والخوف واضحة على وجهيهما، خاصة في ظل غياب الشاهد الرئيسي الذي تخلف عن الحضور.

وخلال المناقشة، أنكر (ر.ع) التهم المنسوبة إليه، مؤكداً أنه كان متوجهاً رفقة (ن.م) إلى إحدى الضيعات بمنطقة أم لعشار قصد البحث عن غرس النخيل. غير أن هذا التصريح أثار استغراب هيئة المحكمة، بالنظر إلى أن الضيعة تبعد بحوالي 30 كيلومتراً عن ضريح بوعسرية بمنطقة المرجة، وهو ما دفع رئيس الجلسة إلى مساءلة المتهمين حول حقيقة تنقلهما إلى المكان، مستفسراً كذلك عن الشخص الذي كان يعاني من مرض الصرع وتم نقله إلى الضريح بغرض العلاج، في مشهد كشف التناقض الصارخ بين الرواية المقدمة والواقع، وما ورد في محاضر الضابطة القضائية.

وفي السياق ذاته، استفسر رئيس الجلسة المتهم (ن.م) عن وقائع الهروب، وعن حضور المقدم وبعض أفراد القبيلة إلى عين المكان، وعن الدور الذي لعبه المتهم الأول في استقدامهم، قبل أن يخاطبهما بنبرة صارمة:
“قولوا الحقيقة، المحكمة قد تتعاون معكم إذا اجتمعت الشجاعة مع الصراحة”،
لتسود القاعة لحظات صمت ثقيل، بدت خلالها الأنفاس محبوسة والوجوه متوجسة.

من جانبه، أصر (ن.م) على أنه رافق (ر.ع) فقط للبحث عن غرس أشجار النخيل، غير أن حنكة رئيس الجلسة واجههه بتصريحات سابقة أدلى بها أمام مصالح الدرك الملكي، تتناقض بشكل واضح مع أقواله الحالية، متسائلاً عن أسباب هذا التراجع الغامض.

وردّ المتهم بصوت متقطع ووجه شاحب، وقد بدت عليه علامات الانهيار والتوتر الشديد، قائلاً:
“سيدي، ثلاثة ديال لاجودانات عصروني حتى طاح ليا السكر، وما بقيتش كنشوف قدامي، وما بقيتش عارف شنو قلت”،
في مشهد إنساني مؤثر خيّم على أجواء القاعة، ودفع رئيس الجلسة إلى الاستفسار فوراً عمّا إذا كان قد تعرض لأي عنف أو سوء معاملة أثناء البحث التمهيدي، وهو ما نفاه نفياً قاطعاً، مؤكداً أن ما عاشه كان نتيجة ضغط نفسي وخوف عميق.

وبحسب المعطيات المستقاة من مصادر الجريدة، فقد انتقل المتهمان إلى منطقة المرجة على متن سيارة يملكها شخص قدم نفسه كـ“فاعل خير”، في ظروف لا تزال محل تدقيق من طرف الجهات المختصة، بينما أفاد (ر.ع) بأنه اضطر إلى الاحتماء بظل “الشاطو” القريب من الضريح، في مشهد يختلط فيه الخوف بالغموض، والصمت بالارتياب.

وفي السياق ذاته، أفادت مصادر من عين المكان أن هذه الواقعة تمثل الحالة الثانية التي يستهدف فيها الضريح، قبل أن يلوذ المشتبه فيهم بالفرار، مشيرة إلى أن أحد المتهمين سبق أن تعرض لحادثة سير بالطريق نفسها المؤدية إلى الضريح، ما يعزز الشكوك حول تكرار تواجده بالموقع في ظروف يلفها الغموض والريبة.

وعلى المستوى القانوني، يتابع المعنيان من أجل أفعال يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي، لما تشكله من مساس بحرمة المقابر والأماكن المخصصة للدفن، وانتهاك للقيم الدينية والاجتماعية، في قضية تمس وجدان المجتمع المحلي قبل أن تمس النصوص القانونية.

وأمام تضارب الروايات، وتباين المعطيات، وتكاثف الأسئلة دون أجوبة حاسمة، قررت هيئة المحكمة حجز الملف للمداولة، بعد استكمال مرحلة الاستماع والمرافعات، لتغلق بذلك صفحة طويلة من الجدل، وتفتح باب الانتظار القلق للحكم النهائي.

ويترقب الرأي العام المحلي جلسة 2 مارس 2026، التي ستحدد مصير المتهمين (ر.ع) و(ن.م)، بعد مسار قضائي امتزج فيه القانوني بالإنساني، والعقلاني بالمأساوي، في ملف ظل شاهداً على هشاشة الحماية حول بعض المواقع الدينية، وعلى الحاجة الملحّة إلى صون حرمة الموتى من عبث الطامعين.

تصنيفات