









زاكـورة تختنق ..قنبلة المطرح العمومي تقترب من الانفجار!
الوكالة
2025-07-19

محمد البشيري
وكالة الأنباء المغربية
في قلب زاكورة، وعلى مرمى حجر من تجزئة الأمال “العمران”، حي “أسرير”، المستشفى الإقليمي، وحي تنسيطة خشاع،..الخ.. يرقد المطرح العمومي البلدي كقنبلة بيئية موقوتة، موروثة منذ سنة 2006، دون أدنى مراعاة للحق في الحياة السليمة والبيئة النظيفة التي يكفلها الفصل 31 من دستور المملكة، وتؤكده المواثيق الدولية التي وقّعت عليها بلادنا.
من الضفة الغربية للمدينة، لا يحمل الريح القادم من جهة الغروب سوى رماد نيران مشتعلة، أدخنة خانقة، غبار ملوّث، وناموس قاتل، يغزو منازل السكان في “ليراك 1 و2″، “زاوية المجدوب”، “تنسيطة أخشاع”، و”العروميات”، وغيرها… ليحوّل حياة الآلاف إلى كابوس دائم من التلوث، الربو، الاختناق، وانعدام الأكسجين. لقد تحوّل الهواء في هذه المنطقة إلى سمّ بطيء، والسؤال الذي يُطرح بحدة: من يحمي زاكورة وسكانها من هذا الجحيم اليومي؟

ولأن الأمر لا يتعلق فقط بإهمال إداري، بل يرقى إلى مستوى الجريمة البيئية، فإننا أمام وضع خطير يهدد الحق في الحياة والصحة العامة، ويقع تحت طائلة القانون الجنائي المغربي، خصوصًا الفصلين 609 و624، حيث يُمنع ترك مرفق بهذه الخطورة دون مراقبة، خاصة داخل منطقة آهلة بالسكان. نحن أمام جريمة بيئية مكتملة الأركان، والسكوت عنها يُعد تواطؤًا صامتًا مع كارثة صحية تمس آلاف المواطنين الأبرياء.

في هذا السياق، عبّر الإعلامي والحقوقي لمين لبيض عن استغرابه الشديد، مشيرًا إلى أن بلدية زاكورة سبق أن كلفت أعوانًا موسميين بحراسة المطرح، قبل أن يتم تحويلهم لسقي الأشجار، في مفارقة تُدمي القلب وتُثير الغضب، وكأن حماية الإنسان أصبحت أقل شأنًا من الاعتناء بالنبات. وقد أكدت شهادات من عين المكان أن النيران تُشعل باستمرار داخل المطرح، غالبًا من طرف أشخاص في وضعيات غير طبيعية، مستغلين غياب أي مراقبة أو تدخل من الجهات المعنية، في وقت ترتفع فيه درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.
ويزداد الاستغراب عندما نستحضر أن القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، ينص في مادته السابعة على ضرورة إحداث مطارح مراقبة بعيدة عن المناطق السكنية، مع اتخاذ الجماعات الترابية والدولة جميع التدابير الوقائية لحماية البيئة والصحة العمومية. لكن يبدو أن هذا القانون، مثل غيره، يُستحضر في الحملات الرسمية فقط، بينما تُترك ساكنة زاكورة تُصارع وحدها دخانًا سامًا وروائح خانقة تحاصرهم ليلًا ونهارًا، خصوصًا في فصل الصيف، حيث يُضطر المواطنون إلى النوم فوق الأسطح طلبًا لهواء أقل تلوثًا.

وما يزيد الوضع سوءًا أن هذا المطرح لا يخدم فقط بلدية زاكورة، بل أصبح يستقبل نفايات تسع جماعات أخرى ضمن مجموعة جماعات الواحة، مما يُضاعف من التراكمات والملوثات، ويزيد من احتمال وقوع كارثة بيئية أو صحية كبرى. بل ووفق شهادات محلية، فإن بعض الرعاة يلجؤون إلى المطرح للبحث عن بقايا خضر ومأكولات لتغذية ماشيتهم، في غياب تام لأي رقابة صحية أو توعية بيئية، ما يهدد حتى سلامة السلسلة الغذائية.
ولعل ما يزيد من مرارة هذا الوضع هو أن الساكنة لم تلتزم الصمت، بل بادرت إلى سلك المساطر القانونية، حيث وُجّهت شكايات رسمية إلى كل من رئيس المجلس الجماعي والسيد عامل إقليم زاكورة، مرفوقة بعريضة موقعة من طرف عدد من المتضررين من ساكنة حي الأمل، تطالب برفع الضرر البيئي والصحي الناتج عن المطرح العمومي.

وفي تصريح لوكالة الأنباء المغربية، عبّر رئيس جمعية الأمل للتنمية عن امتعاضه الشديد من هذا الإهمال المتواصل، مؤكدًا أنه سبق أن وضع عدة شكايات لدى الجهات المختصة دون أن تجد آذانًا صاغية، ما يعكس استخفافًا واضحًا بحقوق السكان. وأضاف أن رئيس لجنة البيئة بالمجلس الجماعي عقد لقاء خاصًا لدراسة الوضع البيئي الخطير، إلا أن الغريب – والمستفز في الآن ذاته – أن ممثلي المجلس الجماعي والسلطات المحلية كانوا غائبين، في دلالة صادمة على “قيمة” المواطن الزاكوري لدى بعض المسؤولين، سياسيين كانوا أم إداريين. وتتوفر وكالة الأنباء المغربية على نسخ من هذه الشكايات والمراسلات، التي تكشف حجم المعاناة اليومية، وتعكس إصرار السكان على مواصلة طرق كل الأبواب، رغم التجاهل الرسمي الممنهج.

في ظل هذا الواقع القاتم، تتجدد مطالب ساكنة زاكورة بضرورة تحويل المطرح إلى الضفة الشرقية للمدينة، حيث لا تتجه الرياح نحو الأحياء السكنية، ما يُقلل من الأثر المباشر على السكان. وهو مطلب بيئي استعجالي، لا يحتمل مزيدًا من التأجيل أو التسويف، خصوصًا أن الرياح الغربية تحمل كل السموم نحو الأحياء الأكثر كثافة.
وما تعيشه زاكورة اليوم، ليس فقط أزمة نفايات، بل اختبار حقيقي لمصداقية الشعارات البيئية المرفوعة وطنيًا، ومدى جدية الدولة في حماية الحق في بيئة سليمة. فهل تنتظر السلطات كارثة صحية جماعية كي تتحرك؟ أم أن أرواح ساكنة الجنوب أقل قيمة من غيرهم؟
توصلت وكالة الأنباء المغربية بصور وفيديوهات صادمة، تُظهر النيران المشتعلة بشكل مستمر وسط النفايات، الأدخنة السوداء المتصاعدة، وانتشار الذباب والناموس في الأحياء المجاورة، مما يُجسد حجم الكارثة ويدق ناقوس الخطر قبل فوات الأوان.
الكرة الآن في ملعب وزارة الداخلية والسلطات الإقليمية، وأي تماطل أو تأجيل قد يُسجّل كجريمة صمت في وجه كارثة بيئية تهدد صحة وكرامة آلاف المواطنين.





