رجال في الذاكرة مولاي إدريس معروف حين يصبح المسرح مرآة للروح وذاكرة للأجيال

الوكالة

2025-01-09

بدر قلاج _ مراكش

في أعماق المدينة العتيقة لمراكش، وبين أزقة حي بن صالح ودرب بوعنان، وُلد مولاي إدريس معروف عام 1956. في تلك الأزقة التي تحمل عبق التاريخ، نما وترعرع ليصبح واحداً من أبرز رموز الفن المسرحي المغربي، حيث رافق تحولات المدينة وساهم في كتابة فصول من تاريخها الثقافي والفني.

لم يكن مولاي إدريس معروف مجرد فنان عابر، بل كان شخصية متفردة قدمت نموذجاً متميزاً في الالتزام الفني والإنساني، متجاوزاً حدود المسرح ليصبح رمزاً للتربية والثقافة والإبداع.

منذ خمسينيات القرن الماضي، بزغ نجم مولاي إدريس في سماء المسرح المغربي، حيث حمل على عاتقه مهمة تطوير المسرح المدرسي ليصبح رائداً لهذا المجال بلا منازع.

لم يتوقف طموحه عند حدود الإبداع الفردي، بل امتد ليؤسس مع زملائه المختار الملالي والمختار الكندري النادي الفني المراكشي “كوميديا”، الذي كان منصة لاحتضان المواهب الشابة ورافداً لتطوير الحركة المسرحية بالمدينة.

عبر هذا الإطار، ساهم مولاي إدريس في إحداث ثورة مسرحية اعتمدت على دمج التراث المحلي بحساسية الفن الحديث، ما أضفى على أعماله طابعاً متجدداً ومميزاً.

تميزت مسيرته الإبداعية بتقديم أعمال مسرحية تحمل أبعاداً فكرية وإنسانية عميقة. من إخراجه لمسرحية “لحظات قبل الموت” إلى أدائه البارع في “نكسة الأرقام”، كان مولاي إدريس يثبت دائماً أن المسرح يمكن أن يكون أداة للتغيير والتأمل.

كما برع في تحويل النصوص إلى لوحات درامية تنبض بالحياة، مثل مسرحية “سوق الرشوق” التي تعاون فيها مع الزجال المراكشي محمد شهرمان، ومسرحية “الفندق حنا ماليه”، التي جسدت رؤيته المبتكرة في معالجة قضايا اجتماعية وثقافية. ولم يقتصر إسهامه على الإخراج والتمثيل فقط، بل كتب نصوصاً مسرحية تعكس روح العصر وتستجيب لأسئلة الوجود والهوية.


رغم إرثه الغني وعطائه الذي امتد لعقود، ظل مولاي إدريس معروف بعيداً عن بريق الأضواء الإعلامية، وهو أمر لم ينتقص من قيمته في قلوب جمهوره وزملائه. وفي عام 2018، جاء الاعتراف الرسمي بمساهماته، حين تم تكريمه خلال فعاليات المهرجان الوطني لهواة المسرح، الذي نظمته وزارة الثقافة والتواصل، ليؤكد مكانته كواحد من أعمدة المسرح المغربي.
في 23 دجنبر 2024، توقفت رحلة هذا المبدع الذي عاش حياته على خشبة المسرح وأمام الجمهور.

برحيله، فقدت مراكش والمغرب أحد أبرز رموزهما الفنية والثقافية، تاركاً خلفه إرثاً ضخماً يمتد عبر أجيال من المبدعين الذين استلهموا من روحه وإبداعه. لم يكن مولاي إدريس معروف مجرد ممثل أو مخرج، بل كان مرآة تعكس قضايا المجتمع وأحلامه وآلامه، وصوتاً نابضاً ينادي بالوعي والتغيير.


سيظل اسم مولاي إدريس معروف محفوراً في ذاكرة المسرح المغربي، وذكراه خالدة في كل عرض وكل نص وكل لحظة عاشها بين خشبة المسرح والجمهور. إرثه الإبداعي يظل شاهداً على مسيرة فنان آمن بأن المسرح هو مرآة الروح وجسر بين الأجيال.

تصنيفات