









رجال في الذاكرة لعشير، سيرة مسرحية تشيّد القصبات بين أطلال الحياة ووهج الإبداع
الوكالة
2025-01-06

بدر قلاج _ مراكش
عبد الهادي توهراش، أو كما يطلق عليه عشاقه ومحبوه "لعشير"، لم يكن مجرد اسم في الحركة المسرحية المغربية، بل رمزاً لصناعة الفرح والمقاومة الفنية. وُلد عام 1952 في حي القصبة العريق بمدينة مراكش، ذلك الحي الذي حمل بين جدرانه عبق التاريخ الموحدي وسجل نضالات التحرر الوطني، حيث امتزجت هندسة المكان بعظمة الروح. حي القصبة لم يكن مجرد مسقط رأس لتوهراش، بل كان منصة انطلاق لرؤى فنية وأفكار نهلت من مزيج الأصالة والحداثة. من هذا الحي، استلهم توهراش روحه المسرحية، متأثراً بزخم جامع الفنا المجاور، حيث يلتقي الحكي بالموسيقى والفرجة بالزجل. كان هذا التمازج العفوي بين الطقوس الشعبية والثقافة العميقة بمثابة المدرسة الأولى التي صقلت موهبة توهراش وأعدته لرحلة مسرحية امتدت لعقود.

بدأت مسيرة توهراش الفنية عام 1968 ضمن فرقة “الجيل الصاعد”، التي أسسها مع المبدع عبد الله المعاوي. برز اسمه في أعمال مسرحية رائدة مثل عمية بلا عكاز والحصلة، والتي جمعت بين الجرأة في الطرح والبساطة في الأسلوب. مع بداية الثمانينيات، انطلق في تجربة جديدة من خلال تأسيس فرقة “نادي خشبة الحي” مع عزيز البوزاوي والسبطي. قدّمت الفرقة أعمالاً لكتّاب عرب كبار، مثل لكع بن لكع لإميل حبيبي والمفتاح ليوسف العاني، مما منحها بعداً عربياً مميزاً. في التسعينيات، اتجه نحو تأسيس “ورشة الإبداع دراما”، التي ركزت على استلهام الفرجات الشعبية المغربية، مثل لفراجة فلبساط واعبيدات الرما. كانت هذه الأعمال مزيجاً بين التراث المغربي والإبداع المسرحي الحديث، ما جعله يحصد إشادة واسعة.
تميز توهراش بأداء كوميدي استثنائي، يجمع بين خفة الظل وذكاء الحركة، ما جعله قريباً من مدرسة موليير الكوميدية. كان سريع الإيقاع، ماهراً في المناورة المسرحية، وحاضراً بقوة في كل عمل شارك فيه. على مدار مسيرته، ترك بصمة واضحة بأكثر من خمسين عملاً مسرحياً، بالإضافة إلى تسع مشاركات تلفزيونية وسينمائية. آخرها فيلم الجامع لداود أولاد السيد، الذي نال عنه جائزة أفضل ممثل.
رغم شهرته، عُرف توهراش بتواضعه وزهده في الظهور. كان "لعشير" في الحياة صديقاً وفياً، وفي العمل زميلاً نصوحاً. ذكريات زملائه تعكس صورة فنان متصوف، ينسج الإبداع من قساوة الحياة، ويحوّل المعاناة إلى طاقة فنية. في يوم السبت 14 أبريل 2018، أسدل الستار على حياة عبد الهادي توهراش، لكن مسيرته الفنية بقيت شاهدة على إبداع استثنائي ينبض بروح القصبة. لعشير ليس مجرد ذكرى، بل رمز خالد للفن الذي يعبر الأمكنة والأزمنة، ويعيد تشكيل الواقع بمسرح الحياة.



