رجال في الذاكرة عباس صلادي خيميائي الفراغ ومبدع الغرائبية في عوالم الفن المغربي

الوكالة

2025-01-07

بدر قلاج _ مراكش

عباس صلادي، الفنان الذي غادر هذا العالم قبل أكثر من ثلاثة عقود، يظل علامة فارقة في مسار التشكيل المغربي، حيث ترك إرثاً فنياً تجتمع فيه مفارقات الحياة: الفقر والغنى، البساطة والتعقيد، الهامشية والخلود. هو الذي بدأ مسيرته ببيع لوحات بخمسة دولارات فقط في ساحة جامع الفنا بمراكش، لينتهي به المطاف بعد وفاته ليصبح صاحب أغلى لوحة في تاريخ الفن المغربي، بلغت قيمتها نصف مليون دولار.
في عوالم صلادي الغرائبية، تتجسد شخوص وأشكال تنتمي إلى أبعاد متداخلة بين التراث والأسطورة، بين الواقع والمتخيل. لوحاته، التي مزجت الأجساد البشرية بعناصر نباتية وكائنات خيالية، حملت روح الحكواتي الذي يرسم الحكايات لا بالكلمات، بل بالألوان والخطوط. إن صلادي، الذي أطلق عليه اسم "الخيميائي" في معرض أقيم مؤخراً لتخليد أعماله، أبدع عوالم تعبر عن انغماسه العميق في الخيال المستمد من التراث المغربي ومن نصوص مثل "ألف ليلة وليلة" و"منطق الطير".
ولد صلادي في مراكش عام 1950 وعاش طفولة مليئة بالاضطرابات، بعد فقدانه لوالده وهو في الرابعة من عمره، ثم انتقاله للعيش في الدار البيضاء مع عمه. هناك، بين مراكش الحكايات والدار البيضاء المادية البصرية، تبلورت رؤيته الفنية. لاحقاً، التحق بالجامعة لدراسة الفلسفة، غير أن اضطرابات نفسية منعته من إكمال دراسته، ما جعله يتجه إلى الفن كملاذ للبحث عن إجابات وجودية عميقة.
عرف صلادي بعزلته وصمته، لكنه عوّض قلة كلامه بفيض من الحديث مع ذاته، مستعيناً بفرشاته وخطوطه. كان يملأ كل فراغ في لوحاته بخطوط صغيرة ودقيقة، كما لو أنه يهرب من خواء الواقع إلى امتلاء الفن. في أعماله، يظهر ذلك الهاجس الذي دفعه ليخلق شخوصاً وكائنات لا تنتمي لعالمنا المألوف، بل تأتي من عوالم خيالية وغامضة، أحياناً موحية بالزمن الفرعوني، وأحياناً أخرى بعوالم الجن والأساطير.
حياته القصيرة، التي استمرت 42 عاماً فقط، تميزت بالفقر والبساطة، إلا أنها غنية بتجربة فنية استثنائية. تروي إحدى لوحاته قصته الشخصية، حيث يظهر بملامحه البسيطة مرتدياً جلباباً أبيضاً، شبيهاً بالفقيه الذي يحاول فك طلاسم ما. لكن الطلاسم التي كان يعمل على فكها، كانت جزءاً من رؤيته العميقة للعالم، المليء بالرموز والمعاني المستترة.



اليوم، بعد سنوات من رحيله، تسعى المؤسسة الوطنية للمتاحف في المغرب إلى إحياء إرثه وعرض أعماله في متحف التراث اللامادي بساحة جامع الفنا، حيث بدأ مسيرته. هذا الاحتفاء يعيد النظر في إرث صلادي كفنان لم ينل التقدير الذي يستحقه في حياته، لكنه، بفضل إبداعه المتفرد، أصبح خالداً في ذاكرة الفن المغربي.

تصنيفات